تفسير الميزان ج۲
446فائدة إلى الأعم، فعليها يكون العفو منه تعالى هو إذهاب أثر الذنب و إمحاؤه كالعقاب المكتوب على المذنب، و المغفرة هي إذهاب ما في النفس من هيئة الذنب و الستر عليه، و الرحمة هي العطية الإلهية التي هي الساترة على الذنب و هيئته.
و عطف هذه الثلاثة أعني قوله: {و اُعْفُ عنّا و اِغْفِرْ لنا و اِرْحمْنا} على قوله: {ربّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نسِينا أوْ أخْطأْنا} على ما للجميع من السياق و النظم يشعر: بأن المراد من العفو و المغفرة و الرحمة ما يتعلق بذنوبهم من جهة الخطإ و النسيان و نحوها. و منه يظهر أن المراد بهذه المغفرة المسئولة هاهنا غير الغفران المذكور في قوله: {غُفْرانك ربّنا} فإنه مغفرة مطلقة في مقابلة الإجابة المطلقة على ما تقدم، و هذه مغفرة خاصة في مقابل الذنب عن نسيان أو خطإ، فسؤال المغفرة غير مكرر.
و قد كرر لفظ الرب في هذه الأدعية أربع مرات لبعث صفة الرحمة بالإيماء و التلويح إلى صفة العبودية فإن ذكر الربوبية يخطر بالبال صفة العبودية و المذلة.
قوله تعالى: {أنْت موْلانا فانْصُرْنا على الْقوْمِ الْكافِرِين}، استيناف و دعاء مستقل، و المولى هو الناصر لكن لا كل ناصر بل الناصر الذي يتولى أمر المنصور فإنه من الولاية بمعنى تولي الأمر، و لما كان تعالى وليا للمؤمنين فهو مولاهم فيما يحتاجون فيه إلى نصره، قال تعالى: {و اللّهُ ولِيُّ الْمُؤْمِنِين}۱، و قال تعالى: {ذلِك بِأنّ اللّه موْلى الّذِين آمنُوا و أنّ الْكافِرِين لا موْلى لهُمْ}٢.
و هذا الدعاء منهم يدل على أنهم ما كان لهم بعد السمع و الطاعة لأصل الدين هم إلا في إقامته و نشره و الجهاد لإعلان كلمة الحق، و تحصيل اتفاق كلمة الأمم عليه، قال تعالى: {قُلْ هذِهِ سبِيلِي أدْعُوا إِلى اللّهِ على بصِيرةٍ أنا و منِ اِتّبعنِي و سُبْحان اللّهِ و ما أنا مِن الْمُشْرِكِين}٣، فالدعوة إلى دين التوحيد هو سبيل الدين و هو الذي يتعقب الجهاد و القتال و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و سائر أقسام الدعوة و الإنذار، كل ذلك لحسم مادة الاختلاف من بين هذا النوع، و يشير إلى ما به من الأهمية في نظر شارع الدين قوله تعالى: {شرع لكُمْ مِن الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحاً و الّذِي أوْحيْنا إِليْك و ما وصّيْنا بِهِ إِبْراهِيم و مُوسى و عِيسىأنْ أقِيمُوا الدِّين و لا تتفرّقُوا فِيهِ}٤، فقولهم أنت مولانا فانصرنا يدل على جعلهم الدعوة العامة في الدين أول ما يسبق إلى أذهانهم بعد عقد القلب على السمع و الطاعة، و الله أعلم.
و الحمد لله
- سورة آل عمران، الآية ٦٨
- سورة محمد، الآية ١١
- سورة يوسف، الآية ١٠٨
- سورة الشورى، الآية ١٣

