تفسير الميزان ج۲
443فإنه أمر قائم بالفرد حقيقة.
قوله تعالى: {و قالُوا سمِعْنا و أطعْنا غُفْرانك ربّنا و إِليْك الْمصِيرُ}، قولهم {سمِعْنا و أطعْنا}، إنشاء و ليس بإخبار و هو كناية عن الإجابة إيمانا بالقلب و عملا بالجوارح، فإن السمع يكنى به لغة عن القبول و الإذعان. و الإطاعة تستعمل في الانقياد بالعمل فمجموع السمع و الإطاعة يتم به أمر الإيمان.
و قولهم {سمِعْنا و أطعْنا} إيفاء لتمام ما على العبد من حق الربوبية في دعوتها. و هذا تمام الحق الذي جعله الله سبحانه لنفسه على عبده: أن يسمع ليطيع، و هو العبادة كما قال تعالى: {و ما خلقْتُ الْجِنّ و الْإِنْس إِلاّ لِيعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ و ما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ}۱، و قال تعالى: {أ لمْ أعْهدْ إِليْكُمْ يا بنِي آدم أنْ لا تعْبُدُوا الشّيْطان إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُبِينٌ و أنِ اُعْبُدُونِي}٢.
و قد جعل سبحانه في قبال هذا الحق الذي جعله لنفسه على عبده حقا آخر لعبده على نفسه و هو المغفرة التي لا يستغني عنه في سعادة نفسه أحد: الأنبياء و الرسل فمن دونهم فوعدهم أن يغفر لهم إن أطاعوه بالعبودية كما ذكره أول ما شرع الشريعة لآدم و ولده فقال: {قُلْنا اِهْبِطُوا مِنْها جمِيعاً فإِمّا يأْتِينّكُمْ مِنِّي هُدىً فمنْ تبِع هُداي فلا خوْفٌ عليْهِمْ و لا هُمْ يحْزنُون}٣، و ليس إلا المغفرة.
و القوم لما قالوا: {سمِعْنا و أطعْنا} و هو الإجابة بالسمع و الطاعة المطلقين من غير تقييد فأوفوا الربوبية حقها سألوه تعالى حقهم الذي جعله لهم و هو المغفرة فقالوا عقيب قولهم {سمِعْنا و أطعْنا غُفْرانك ربّنا و إِليْك الْمصِيرُ}، و المغفرة و الغفران: الستر، و يرجع مغفرته تعالى إلى دفع العذاب و هو ستر على نواقص مرحلة العبودية، و يظهر عند مصير العبد إلى ربه، و لذلك عقبوا قولهم: {غُفْرانك ربّنا} بقولهم: {و إِليْك الْمصِيرُ}.
قوله تعالى: {لا يُكلِّفُ اللّهُ نفْساً إِلاّ وُسْعها لها ما كسبتْ و عليْها ما اِكْتسبتْ}، الوسع هو الجدة و الطاقة، و الأصل في الوسع هو السعة المكانية ثم يتخيل لقدرة الإنسان شبه الظرفية لما يصدر عنه من الأفعال الاختيارية، فما يقدر عليه الإنسان من الأعمال كأنه تسعه قدرته، و ما لا يقدر عليه لا تسعه فانطبق عليه معنى الطاقة، ثم سميت الطاقة وسعا فقيل: وسع الإنسان أي طاقته و ظرفية قدرته.
و قد عرفت: أن تمام حق الله تعالى على عبده: أن يسمع و يطيع، و من البين
- سورة الذاريات، الآية ٥٧
- سورة يس، الآية ٦١
- سورة البقرة، الآية ٣٨

