تفسير الميزان ج۲
439القرآن على ما تقدم أن ظاهر الآية هو: أن المحاسبة إنما تقع على ما كسبته القلوب إما في نفسها و إما من طريق الجوارح، و ليس في الخطور النفساني كسب، و لا يتفاوت في ذلك الشهادة و غيرها و لا فرق في ذلك بين المؤمن و الكافر، و ظاهر المحاسبة هو المحاسبة بالجزاء دون الإخبار بالخطورات و الهمم النفسانية، فهذا ما تدل عليه الآية و تؤيده سائر الآيات على ما تقدم.
و أما حديث النسخ خاصة ففيه وجوه من الخلل يوجب سقوطه عن الحجية:
أولها: مخالفته لظاهر الكتاب على ما تقدم بيانه.
ثانيها: اشتماله على جواز تكليف ما لا يطاق و هو مما لا يرتاب العقل في بطلانه.
و لا سيما منه تعالى، و لا ينفع في ذلك النسخ كما لا يخفى، بل ربما زاد إشكالا على إشكال فإن ظاهر قوله في الرواية: فلما اقترأها القوم إلخ أن النسخ إنما وقع قبل العمل و هو محذور.
ثالثها: أنك ستقف في الكلام على الآيتين التاليتين: أن قوله: {لا يُكلِّفُ اللّهُ نفْساً إِلاّ وُسْعها}، لا يصلح لأن يكون ناسخا لشيء، و إنما يدل على أن كل نفس إنما يستقبلها ما كسبته سواء شق ذلك عليها أو سهل، فلو حمل عليها ما لا تطيقه، أو حمل عليها إصر كما حمل على الذين من قبلنا فإنما هو أمر كسبته النفس بسوء اختيارها فلا تلومن إلا نفسها فالجملة أعني قوله: {لا يُكلِّفُ اللّهُ نفْساً إِلاّ وُسْعها}، كالمعترضة لدفع الدخل.
رابعها: أنه سيجيء أيضا: أن وجه الكلام في الآيتين ليس إلى أمر الخطورات النفسانية أصلا، و مواجهة الناسخ للمنسوخ مما لا بد منه في باب النسخ.
بل قوله تعالى: {آمن الرّسُولُ} إلى آخر الآيتين مسوق لبيان غرض غير الغرض الذي سيق لبيانه قوله تعالى: {لِلّهِ ما فِي السّماواتِ و ما فِي الْأرْضِ} إلى آخر الآية على ما سيأتي إن شاء الله.
[سورة البقرة (٢): الآیات ٢٨٥ الی ٢٨٦]
{آمن الرّسُولُ بِما أُنْزِل إِليْهِ مِنْ ربِّهِ و الْمُؤْمِنُون كُلٌّ آمن بِاللّهِ و ملائِكتِهِ و كُتُبِهِ و رُسُلِهِ لا نُفرِّقُ بيْن أحدٍ مِنْ رُسُلِهِ و قالُوا سمِعْنا و أطعْنا غُفْرانك ربّنا و إِليْك الْمصِيرُ ٢٨٥لا يُكلِّفُ اللّهُ نفْساً إِلاّ وُسْعها لها ما كسبتْ

