تفسير الميزان ج۲
437فهذا ظاهر الآية و يجب أن يعلم: أن الآية إنما تدل على المحاسبة بما في النفوس سواء أظهر أو أخفى، و أما كون الجزاء في صورتي الإخفاء و الإظهار على حد سواء، و بعبارة أخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم سواء فعل أو لم يفعل و سواء صادف الفعل الواقع المقصود أو لم يصادف كما في صورة التجري مثلا فالآية غير ناظرة إلى ذلك.
و قد أخذ القوم في معنى الآية مسالك شتى لما توهموا أنها تدل على المؤاخذة على كل خاطر نفساني مستقر في النفس أو غيره و ليس إلا تكليفا بما لا يطاق، فمن ملتزم بذلك و من مؤول يريد به التخلص.
فمنهم من قال: إن الآية تدل على المحاسبة بكل ما يرد القلب، و هو تكليف بما لا يطاق، لكن الآية منسوخة بما يتلوها من قوله تعالى: {لا يُكلِّفُ اللّهُ نفْساً إِلاّ وُسْعها} (الآية).
و فيه: أن الآية غير ظاهرة في هذا العموم كما مر. على أن التكليف بما لا يطاق غير جائز بلا ريب. على أنه تعالى يخبر بقوله: {و ما جعل عليْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حرجٍ}۱، بعدم تشريعه في الدين ما لا يطاق.
و منهم من قال: إن الآية مخصوصة بكتمان الشهادة و مرتبطة بما تقدمتها من آية الدين المذكورة فيها و هو مدفوع بإطلاق الآية كقول من قال: إنها مخصوصة بالكفار.
و منهم من قال: إن المعنى أن تبدوا بأعمالكم ما في أنفسكم من السوء بأن تتجاهروا و تعلنوا بالعمل أو تخفوه بأن تأتوا الفعل خفية يحاسبكم به الله.
و منهم من قال: إن المراد بالآية مطلق الخواطر إلا أن المراد بالمحاسبة الأخبار أي جميع ما يخطر ببالكم سواء أظهرتموها أو أخفيتموها فإن الله يخبركم به يوم القيامة فهو في مساق قوله تعالى: {فيُنبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تعْملُون}٢، و يدفع هذا و ما قبله؟ بمخالفة ظاهر الآية كما تقدم.
قوله تعالى: {فيغْفِرُ لِمنْ يشاءُ و يُعذِّبُ منْ يشاءُ و اللّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ}، الترديد في التفريع بين المغفرة و العذاب لا يخلو من الإشعار بأن المراد بما في النفوس هي الصفات و الأحوال النفسانية السيئة، و إن كانت المغفرة ربما استعملت في القرآن في غير مورد المعاصي أيضا لكنه استعمال كالنادر يحتاج إلى مئونة القرائن الخاصة. و قوله: {و اللّهُ} تعليل راجع إلى مضمون الجملة الأخيرة، أو إلى مدلول الآية بتمامها.
- سورة الحج، الآية ٧٨
- سورة المائدة، الآية ١٠٥

