تفسير الميزان ج۲
422و المعاملات المشروعة، فإنه بصرف مال الربا في مأكله و مشربه و ملبسه و مسكنه يبطل كثيرا من عباداته بفقدان شرائط مأخوذة فيها، و باستعماله فيما بيده من المال الربوي يبطل كثيرا من معاملاته، و يضمن غيره، و يغصب مال غيره في موارد كثيرة، و باستعمال الطمع و الحرص في أموال الناس و الخشونة و القسوة في استيفاء ما يعده لنفسه حقا يفسد كثيرا من أصول الأخلاق و الفضائل و فروعها، و هو أثيم مستقر في نفسه الإثم فالله سبحانه لا يحبه لأن الله لا يحب كل كفار أثيم.
قوله تعالى: {إِنّ الّذِين آمنُوا و عمِلُوا الصّالِحاتِ} إلخ، تعليل يبين به ثواب المتصدقين و المنتهين عما نهى الله عنه من أكل الربا بوجه عام ينطبق على المورد انطباقا.
قوله تعالى: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا اِتّقُوا اللّه و ذرُوا ما بقِي مِن الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} خطاب للمؤمنين و أمر لهم بتقوى الله و هو توطئة لما يتعقبه من الأمر بقوله {و ذرُوا ما بقِي مِن الرِّبا}، و هو يدل على أنه كان من المؤمنين في عهد نزول الآيات من يأخذ الربا، و له بقايا منه في ذمة الناس من الربا فأمر بتركها، و هدد في ذلك بما سيأتي من قوله: {فإِنْ لمْ تفْعلُوا فأْذنُوا بِحرْبٍ مِن اللّهِ و رسُولِهِ} (الآية).
و هذا يؤيد ما سننقله من الرواية في سبب نزول الآية في البحث الروائي الآتي.
و في تقييد الكلام بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} إشارة إلى أن تركه من لوازم الإيمان، و تأكيد لما تقدم من قوله: {و منْ عاد} إلخ، و قوله: {و اللّهُ لا يُحِبُّ كُلّ كفّارٍ} إلخ.
قوله تعالى: {فإِنْ لمْ تفْعلُوا فأْذنُوا بِحرْبٍ مِن اللّهِ و رسُولِهِ}، الإذن كالعلم وزنا و معنى، و قرئ فآذنوا بالأمر من الإيذان، و الباء في قوله بحرب لتضمينه معنى اليقين و نحوه، و المعنى: أيقنوا بحرب أو أعلموا أنفسكم باليقين بحرب من الله و رسوله، و تنكير الحرب لإفادة التعظيم أو التنويع، و نسبة الحرب إلى الله و رسوله لكونه مرتبطا بالحكم الذي لله سبحانه فيه سهم بالجعل و التشريع و لرسوله فيه سهم بالتبليغ، و لو كان لله وحده لكان أمرا تكوينيا، و أما رسوله فلا يستقل في أمر دون الله سبحانه قال تعالى: {ليْس لك مِن الْأمْرِ شيْءٌ}۱.
و الحرب من الله و رسوله في حكم من الأحكام مع من لا يسلمه هو تحميل الحكم على من رده من المسلمين بالقتال كما يدل عليه قوله تعالى: {فقاتِلُوا الّتِي تبْغِي حتّى تفِيء إِلى أمْرِ اللّهِ}٢، على أن لله تعالى صنعا آخر في الدفاع عن حكمه و هو
- سورة آل عمران، الآية ١٢٨
- سورة الحجرات، الآية ٩

