تفسير الميزان ج۲
416الربا إنما هو في حال أحل الله البيع و حرم الربا عليهم، مع أن الأمر على خلافه فهم خابطون بعد تشريع هذه الحلية و الحرمة و قبل تشريعهما، فالجملة ليست حالية و إنما هي مستأنفة.
و هذه المستأنفة غير متضمنة للتشريع الابتدائي على ما تقدم أن الآيات ظاهرة في سبق أصل تشريع الحرمة، بل بانية على ما تدل عليها آية آل عمران: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا لا تأْكُلُوا الرِّبوا أضْعافاً مُضاعفةً و اِتّقُوا اللّه لعلّكُمْ تُفْلِحُون}۱، فالجملة أعني قوله: {و أحلّ اللّهُ} إلخ لا تدل على إنشاء الحكم، بل على الإخبار عن حكم سابق و توطئة لتفرع قوله بعدها: فمن جاءه موعظة من ربه إلخ، هذا ما ينساق إليه ظاهر الآية الشريفة.
و قد قيل: إن قوله: {و أحلّ اللّهُ الْبيْع و حرّم الرِّبا} مسوق لإبطال قولهم: {إِنّما الْبيْعُ مِثْلُ الرِّبا}، و المعنى لو كان كما يقولون لما اختلف حكمهما عند أحكم الحاكمين مع أن الله أحل أحدهما و حرم الآخر.
و فيه أنه و إن كان استدلالا صحيحا في نفسه لكنه لا ينطبق على لفظ الآية فإنه معنى كون الجملة{و أحلّ اللّهُ} إلخ، حالية و ليست بحال.
و أضعف منه ما ذكره آخرون: أن معنى قوله: {و أحلّ اللّهُ} إلخ إنه ليست الزيادة في وجه البيع نظير الزيادة في وجه الربا، لأني أحللت البيع و حرمت الربا، و الأمر أمري، و الخلق خلقي، أقضي فيهم بما أشاء، و أستعبدهم بما أريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي.
و فيه: أنه أيضا مبني على أخذ الجملة حالية لا مستأنفة، على أنه مبني على إنكار ارتباط الأحكام بالمصالح و المفاسد ارتباط السببية و المسببية، و بعبارة أخرى على نفي العلية و المعلولية بين الأشياء و إسناد الجميع إلى الله سبحانه من غير واسطة، و الضرورة تبطله، على أنه خلاف ما هو دأب القرآن من تعليل أحكامه و شرائعه بمصالح خاصة أو عامة، على أن قوله في ضمن هذه الآيات: {و ذرُوا ما بقِي مِن الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} (الآية)، و قوله: {لا تظْلِمُون} (الآية)، و قوله: {الّذِين يأْكُلُون الرِّبا} إلى قوله {مِثْلُ الرِّبا}، تدل على نوع تعليل لإحلال البيع بكونه جاريا على سنة الفطرة و الخلقة و لتحريم الربا بكونه خارجا عن سنن الاستقامة في الحياة، و كونه منافيا غير ملائم للإيمان بالله تعالى، و كونه ظلما.
- سورة آل عمران، الآية ١٣٠

