تفسير الميزان ج۲
408{و اِتّقُوا يوْماً تُرْجعُون فِيهِ إِلى اللّهِ ثُمّ تُوفّى كُلُّ نفْسٍ ما كسبتْ و هُمْ لا يُظْلمُون ٢٨١}
(بيان)
الآيات مسوقة لتأكيد حرمة الربا و التشديد على المرابين و ليست مسوقة للتشريع الابتدائي، كيف و لسانها غير لسان التشريع: و إنما الذي يصلح لهذا الشأن قوله تعالى في سورة آل عمران: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا لا تأْكُلُوا الرِّبوا أضْعافاً مُضاعفةً و اِتّقُوا اللّه لعلّكُمْ تُفْلِحُون}۱، نعم تشتمل هذه الآيات على مثل قوله: {يا أيُّها الّذِين آمنُوا اِتّقُوا اللّه و ذرُوا ما بقِي مِن الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين}، و سياق الآية يدل على أن المسلمين ما كانوا ينتهون عن النهي السابق عن الربا، بل كانوا يتداولونها بينهم بعض التداول فأمرهم الله بالكف عن ذلك، و ترك ما للغرماء في ذمة المدينين من الربا، و من هنا يظهر معنى قوله: {فمنْ جاءهُ موْعِظةٌ مِنْ ربِّهِ فانْتهى فلهُ ما سلف و أمْرُهُ إِلى اللّهِ} (الآية) على ما سيجيء بيانه.
و قد تقدم على ما في سورة آل عمران من النهي قوله تعالى في سورة الروم و هي مكية: {و ما آتيْتُمْ مِنْ رِباً لِيرْبُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فلا يرْبُوا عِنْد اللّهِ و ما آتيْتُمْ مِنْ زكاةٍ تُرِيدُون وجْه اللّهِ فأُولئِك هُمُ الْمُضْعِفُون}٢، و من هنا يظهر أن الربا كان أمرا مرغوبا عنه من أوائل عهد رسول الله قبل الهجرة حتى تم أمر النهي عنه في سورة آل عمران، ثم اشتد أمره في سورة البقرة بهذه الآيات السبع التي يدل سياقها على تقدم نزول النهي عليها، و من هنا يظهر: أن هذه الآيات إنما نزلت بعد سورة آل عمران.
على أن حرمة الربا في مذهب اليهود على ما يذكره الله تعالى في قوله{و أخْذِهِمُ الرِّبوا و قدْ نُهُوا عنْهُ}٣، و يشعر به قوله: - حكاية عنهم - {ليْس عليْنا فِي الْأُمِّيِّين سبِيلٌ}٤، مع تصديق القرآن لكتابهم و عدم نسخ ظاهر كانت تدل على حرمته في الإسلام.
و الآيات أعني آيات الربا لا تخلو عن ارتباط بما قبلها من آيات الإنفاق في سبيل الله كما يشير إليه قوله تعالى في ضمنها: {يمْحقُ اللّهُ الرِّبا و يُرْبِي الصّدقاتِ}، و قوله: {و أنْ تصدّقُوا خيْرٌ لكُمْ}، و كذا ما وقع من ذكره في سورة الروم و في سورة آل عمران
- سورة آل عمران، الآية ١٣٠
- سورة الروم، الآية ٣٩
- سورة النساء، الآية ١٦١
- سورة آل عمران، الآية ٧٥

