تفسير الميزان ج۲
399{فلِأنْفُسِكُمْ}.
و لما أمكن أن يتوهم أن هذا النفع العائد إلى أنفسهم ببذل المال مجرد اسم لا مسمى له في الخارج، و ليس حقيقته إلا تبديل الحقيقة من الوهم عقب الكلام بقوله: {و ما تُنْفِقُوا مِنْ خيْرٍ يُوفّ إِليْكُمْ و أنْتُمْ لا تُظْلمُون}، فبين أن نفع هذا الإنفاق المندوب و هو ما يترتب عليه من مثوبة الدنيا و الآخرة ليس أمرا وهميا، بل هو أمر حقيقي واقعي سيوفيه الله تعالى إليكم من غير أن يظلكم بفقد أو نقص.
و إبهام الفاعل في قوله: {يُوفّ إِليْكُمْ}، لما تقدم أن السياق سياق الدعوة فطوي، ذكر الفاعل ليكون الكلام أبلغ في النصح و انتفاء غرض الانتفاع من الفاعل كأنه كلام لا متكلم له، فلو كان هناك نفع فلسامعه لا غير.
قوله تعالى: {لِلْفُقراءِ الّذِين أُحْصِرُوا فِي سبِيلِ اللّهِ} إلى آخر الآية، الحصر هو المنع و الحبس، و الأصل في معناه التضييق، قال الراغب في المفردات: و الحصر و الإحصار المنع من طريق البيت، فالإحصار يقال: في المنع الظاهر كالعدو، و المنع الباطن كالمرض، و الحصر لا يقال، إلا في المنع الباطن، فقوله تعالى: {فإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فمحمول على الأمرين و كذلك قوله: {لِلْفُقراءِ الّذِين أُحْصِرُوا فِي سبِيلِ اللّهِ}، و قوله عز و جل: {أوْ جاؤُكُمْ حصِرتْ صُدُورُهُمْ}، أي ضاقت بالبخل و الجبن، انتهى. و التعفف التلبس بالعفة، و السيماء العلامة، و الإلحاف هو الإلحاح في السؤال.
و في الآية بيان مصرف الصدقات، و هو أفضل المصرف، و هم الفقراء الذين منعوا في سبيل الله و حبسوا فيه بتأدية عوامل و أسباب إلى ذلك: إما عدو أخذ ما لهم من الستر و اللباس أو منعهم التعيش بالخروج إلى الاكتساب أو مرض أو اشتغال بما لا يسعهم معه الاشتغال بالكسب كطالب العلم و غير ذلك.
و في قوله تعالى {يحْسبُهُمُ الْجاهِلُ} أي الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف دلالة على أنهم غير متظاهرين بالفقر إلا ما لا سبيل لهم إلى ستره من علائم الفقر و المسكنة من بشرة أو لباس خلق أو نحوهما.
و من هنا يظهر: أن المراد بقوله: {لا يسْئلُون النّاس إِلْحافاً} أنهم لا يسألون الناس أصلا حتى ينجر إلى الإلحاف و الإصرار في السؤال، فإن السؤال أول مرة يجوز للنفس

