تفسير الميزان ج۲
398من الفضيلة رجح سبحانه جانب صدقة السر فقال: و إن تخفوها و تعطوها الفقراء فهو خير لكم فإن كلمة خير أفعل التفضيل، و الله تعالى خبير بأعمال عباده لا يخطئ في تمييز الخير من غيره، و هو قوله تعالى: {و اللّهُ بِما تعْملُون خبِيرٌ}.
قوله تعالى: {ليْس عليْك هُداهُمْ و لكِنّ اللّه يهْدِي منْ يشاءُ}، في الكلام التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)، و كان ما كان يشاهده رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم)من فعال المؤمنين في صدقاتهم من اختلاف السجايا بالإخلاص من بعضهم و المن و الأذى و التثاقل في إنفاق طيب المال من بعض مع كونهم مؤمنين أوجد في نفسه الشريفة وجدا و حزنا فسلاه الله تعالى بالتنبيه على أن أمر هذا الإيمان الموجود فيهم و الهدى الذي لهم إنما هو إلى الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإيمان و إلى درجاته، و ليس يستند إلى النبي لا وجوده و لا بقاؤه حتى يكون عليه حفظه، و يشنق من زواله أو ضعفه، أو يسوؤه ما آل إليه الكلام في هذه الآيات من التهديد و الإيعاد و الخشونة.
و الشاهد على ما ذكرناه قوله تعالى: {هُداهُمْ}، بالتعبير بالمصدر المضاف الظاهر في تحقق التلبس. على أن هذا المعنى أعني نفي استناد الهداية إلى النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) و إسناده إلى الله سبحانه حيث وقع في القرآن وقع في مقام تسلية النبي و تطييب قلبه.
فالجملة أعني قوله: {ليْس عليْك هُداهُمْ و لكِنّ اللّه يهْدِي منْ يشاءُ} جملة معترضة اعترضت في الكلام لتطييب قلب النبي بقطع خطاب المؤمنين و الإقبال عليه (صلى الله عليه وآله و سلم) ، نظير الاعتراض الواقع في قوله تعالى: {لا تُحرِّكْ بِهِ لِسانك لِتعْجل بِهِ إِنّ عليْنا جمْعهُ و قُرْآنهُ}۱ (الآيات). فلما تم الاعتراض عاد إلى الأصل في الكلام من خطاب المؤمنين.
قوله تعالى: {و ما تُنْفِقُوا مِنْ خيْرٍ فلِأنْفُسِكُمْ و ما تُنْفِقُون إِلاّ اِبْتِغاء وجْهِ اللّهِ} إلى آخر الآية رجوع إلى خطاب المؤمنين بسياق خال عن التبشير و الإنذار و التحنن و التغيظ معا، فإن ذلك مقتضى معنى قوله تعالى: {و لكِنّ اللّه يهْدِي منْ يشاءُ} كما لا يخفى. فقصر الكلام على الدعوة الخالية بالدلالة على أن ساحة المتكلم الداعي منزهة عن الانتفاع بما يتعقب هذه الدعوة من المنافع، و إنما يعود نفعه إلى المدعوين، {و ما تُنْفِقُوا مِنْ خيْرٍ فلِأنْفُسِكُمْ} لكن لا مطلقا بل في حال لا تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، فقوله: {و ما تُنْفِقُون إِلاّ اِبْتِغاء وجْهِ اللّهِ} حال، من ضمير الخطاب و عامله متعلق الظرف أعني قوله:
- سورة القيامة، الآية ١٧

