تفسير الميزان ج۲
394المال و بذله إلا لما يرونه مؤثرا في قوام المال و الثروة فتنقبض نفوسهم عن الإقدام إلى بذله بخلاف خبيثه فإنه لا قيمة له يعنى بها فلا بأس بإنفاقه، و هذا من تسويل الشيطان يخوف أولياءه من الفقر، مع أن البذل و ذهاب المال و الإنفاق في سبيل الله و ابتغاء مرضاته مثل البذل في المعاملات لا يخلو عن العوض و الربح كما مر، مع أن الذي يغني و يقني هو الله سبحانه دون المال، قال تعالى: {و أنّهُ هُو أغْنى و أقْنى}۱.
و بالجملة لما كان إمساكهم عن بذل طيب المال خوفا من الفقر خطأ نبه عليه بقوله: الشيطان يعدكم الفقر، غير أنه وضع السبب موضع المسبب، أعني أنه وضع وعد الشيطان موضع خوف أنفسهم ليدل على أنه خوف مضر لهم فإن الشيطان لا يأمر إلا بالباطل و الضلال إما ابتداء و من غير واسطة، و إما بالآخرة و بواسطة ما يظهر منه أنه حق.
و لما كان من الممكن أن يتوهم أن هذا الخوف حق و إن كان من ناحية الشيطان دفع ذلك باتباع قوله: {الشّيْطانُ يعِدُكُمُ الْفقْر} بقوله: {و يأْمُرُكُمْ بِالْفحْشاءِ} أولا، فإن هذا الإمساك و التثاقل منهم يهيئ في نفوسهم ملكة الإمساك و سجية البخل، فيؤدي إلى رد أوامر الله المتعلقة بأموالهم و هو الكفر بالله العظيم، و يؤدي إلى إلقاء أرباب الحاجة في تهلكة الإعسار و الفقر و المسكنة التي فيه تلف النفوس و انتهاك الأعراض و كل جناية و فحشاء، قال تعالى: {و مِنْهُمْ منْ عاهد اللّه لئِنْ آتانا مِنْ فضْلِهِ لنصّدّقنّ و لنكُوننّ مِن الصّالِحِين فلمّا آتاهُمْ مِنْ فضْلِهِ بخِلُوا بِهِ و تولّوْا و هُمْ مُعْرِضُون فأعْقبهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يوْمِ يلْقوْنهُ بِما أخْلفُوا اللّه ما وعدُوهُ و بِما كانُوا يكْذِبُون} إلى أن قال: {الّذِين يلْمِزُون الْمُطّوِّعِين مِن الْمُؤْمِنِين فِي الصّدقاتِ و الّذِين لا يجِدُون إِلاّ جُهْدهُمْ فيسْخرُون مِنْهُمْ سخِر اللّهُ مِنْهُمْ و لهُمْ عذابٌ ألِيمٌ}٢.
ثم بإتباعه بقوله: {و اللّهُ يعِدُكُمْ مغْفِرةً مِنْهُ و فضْلاً و اللّهُ واسِعٌ علِيمٌ} ثانيا، فإن الله قد بين للمؤمنين: أن هناك حقا و ضلالا لا ثالث لهما، و أن الحق و هو الطريق المستقيم هو من الله سبحانه، و أن الضلال من الشيطان، قال تعالى: {فما ذا بعْد الْحقِّ إِلاّ الضّلالُ}٣، و قال تعالى: {قُلِ اللّهُ يهْدِي لِلْحقِّ}٤ و قال تعالى في الشيطان: {إِنّهُ عدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}٥، و الآيات جميعا مكية، و بالجملة نبه تعالى بقوله: {و اللّهُ يعِدُكُمْ}، بأن هذا الخاطر الذي يخطر ببالكم من جهة الخوف
- سورة النجم، الآية ٤٨
- سورة التوبة، الآية ٧٩
- سورة يونس، الآية ٣٢
- سورة يونس، الآية ٣٥
- سورة القصص، الآية ١٥

