تفسير الميزان ج۲
392البتة، فإن العناية الإلهية واقعة عليه متعلقة به لانحفاظ اتصاله بالله سبحانه و إن كانت مراتب العناية مختلفة لاختلاف درجات النية في الخلوص، و اختلاف وزن الأعمال باختلافها، كما أن الجنة التي في الربوة إذا أصابها المطر لم تلبث دون أن تؤتي أكلها إيتاء جيدا البتة و إن كان إيتاؤها مختلفا في الجودة باختلاف المطر النازل عليه من وابل و طل.
و لوجود هذا الاختلاف ذيل الكلام بقوله: {و اللّهُ بِما تعْملُون بصِيرٌ} أي لا يشتبه عليه أمر الثواب، و لا يختلط عليه ثواب الأعمال المختلفة فيعطي ثواب هذا لذاك و ثواب ذاك لهذا.
قوله تعالى: {أ يودُّ أحدُكُمْ أنْ تكُون لهُ جنّةٌ مِنْ نخِيلٍ و أعْنابٍ} إلخ، الود هو الحب و فيه معنى التمني، و الجنة: الشجر الكثير الملتف كالبستان سميت بذلك لأنها تجن الأرض و تسترها و تقيها من ضوء الشمس و نحوه، و لذلك صح أن يقال: تجري من تحتها الأنهار، و لو كانت هي الأرض بما لها من الشجر مثلا لم يصح ذلك لإفادته خلاف المقصود، و لذلك قال تعالى في مثل الربوة و هي الأرض المعمورة: {ربْوةٍ ذاتِ قرارٍ و معِينٍ}۱، و كرر في كلامه قوله: {جنّاتٍ تجْرِي مِنْ تحْتِها الْأنْهارُ} فجعل المعين (و هو الماء) فيها لا جاريا تحتها.
و من في قوله: {مِنْ نخِيلٍ و أعْنابٍ} للتبيين و يفيد معنى الغلبة دون الاستيعاب، فإن الجنة و البستان و ما هو من هذا القبيل إنما يضاف إلى الجنس الغالب فيقال جنة العنب أو جنة من أعناب إذا كان الغالب فيها الكرم و هي لا تخلو مع ذلك من شجر شتى، و لذلك قال تعالى ثانيا: {لهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثّمراتِ}.
و الكبر كبر السن و هو الشيخوخة، و الذرية الأولاد، و الضعفاء جمع الضعيف، و قد جمع تعالى في المثل بين إصابة الكبر و وجود الذرية الضعفاء لتثبيت مسيس الحاجة القطعية إلى الجنة المذكورة مع فقدان باقي الأسباب التي يتوصل إليها في حفظ سعادة الحياة و تأمين المعيشة، فإن صاحب الجنة لو فرض شابا قويا لأمكنه أن يستريح إلى قوة يمينه لو أصيبت جنته بمصيبة، و لو فرض شيخا هرما من غير ذرية ضعفاء لم يسوء حاله تلك المساءة لأنه لا يرى لنفسه إلا أياما قلائل لا يبطئ عليه زوالها و انقضاؤها، و لو فرض ذا كبر و له أولاد أقوياء يقدرون على العمل و اكتساب المعيشة أمكنهم أن يقتاتوا بما يكتسبونه، و أن يستغنوا عنها بوجه! لكن إذا اجتمع هناك الكبر و الذرية
- سورة المؤمنون، الآية ٥٠

