تفسير الميزان ج۲
391الله هو إرادة وجهه عز و جل.
و أما قوله: {و تثْبِيتاً مِنْ أنْفُسِهِمْ} فقد قيل: إن المراد التصديق و اليقين. و قيل: هو التثبت أي يتثبتون أين يضعون أموالهم، و قيل: هو التثبت في الإنفاق فإن كان لله أمضى، و إن كان خالطه شيء من الرياء أمسك، و قيل: التثبيت توطين النفس على طاعة الله تعالى، و قيل: هو تمكين النفس في منازل الإيمان بتعويدها على بذل المال لوجه الله. و أنت خبير بأن شيئا من الأقوال لا ينطبق على الآية إلا بتكلف.
و الذي ينبغي أن يقال و الله العالم في المقام: هو أن الله سبحانه لما أطلق القول أولا في مدح الإنفاق في سبيل الله، و أن له عند الله عظيم الأجر اعترضه أن استثنى منه نوعين من الإنفاق لا يرتضيهما الله سبحانه، و لا يترتب عليهما الثواب، و هما الإنفاق رياء الموجب لعدم صحة العمل من رأس و الإنفاق الذي يتبعه من أو أذى فإنه يبطل بهما و إن انعقد أولا صحيحا، و ليس يعرض البطلان. لهذين النوعين إلا من جهة عدم ابتغاء مرضاة الله فيه من رأس، أو لزوال النفس عن هذه النية أعني ابتغاء المرضاة ثانيا بعد ما كانت عليها أولا، فأراد في هذه الآية بيان حال الخاصة من أهل الإنفاق الخالصة بعد استثناء المرائين و أهل المن و الأذى، و هم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله ثم يقرون أنفسهم على الثبات على هذه النية الطاهرة النامية من غير أن يتبعوها بما يبطل العمل و يفسده.
و من هنا يظهر أن المراد بابتغاء مرضاة الله أن لا يقصد بالعمل رئاء و نحوه مما يجعل النية غير خالصة لوجه الله، و بقوله تثبيتا من أنفسهم تثبيت الإنسان نفسه على ما نواه من النية الخالصة، و هو تثبيت ناش من النفس واقع على النفس. فقوله تثبيتا تميز و كلمة من نشوية و قوله أنفسهم في معنى الفاعل، و ما في معنى المفعول مقدر. و التقدير تثبيتا من أنفسهم لأنفسهم، أو مفعول مطلق لفعل من مادته.
قوله تعالى: {كمثلِ جنّةٍ بِربْوةٍ أصابها وابِلٌ} إلى آخر الآية، الأصل في مادة ربا الزيادة، و الربوة بالحركات الثلاث في الراء الأرض الجيدة التي تزيد و تعلو في نموها، و الأكل بضمتين ما يؤكل من الشيء و الواحدة أكلة. و الطل أضعف المطر القليل الأثر.
و الغرض من المثل أن الإنفاق الذي أريد به وجه الله لا يتخلف عن أثرها الحسن

