تفسير الميزان ج۲
387و ما كان منها مادة التمثيل فيه بعض القصة فإنه اقتصر على مادة التمثيل فوضعت موضع تمام القصة لأن الغرض من التمثيل حاصل بذلك، على ما فيه من تنشيط ذهن السامع بفقده أمرا و وجدانه أمرا آخر مقامه يفي بالغرض منه، فهو هو بوجه و ليس به بوجه، فهذا من الإيجاز بالقلب على وجه لطيف يستعمله القرآن.
قوله تعالى: {أنْبتتْ سبْع سنابِل فِي كُلِّ سُنْبُلةٍ مِائةُ حبّةٍ}، السنبل معروف و هو على فنعل، قيل الأصل في معنى مادته الستر سمي به لأنه يستر الحبات التي تشتمل عليها في الأغلفة.
و من أسخف الإشكال ما أورد على الآية أنه تمثيل بما لا تحقق له في الخارج و هو اشتمال السنبلة على مائة حبة، و فيه أن المثل كما عرفت لا يشترط فيه تحقق مضمونه في الخارج فالأمثال التخيلية أكثر من أن تعد و تحصى، على أن اشتمال السنبلة على مائة حبة و إنبات الحبة الواحدة سبعمائة حبة ليس بعزيز الوجود.
قوله تعالى: {و اللّهُ يُضاعِفُ لِمنْ يشاءُ و اللّهُ واسِعٌ علِيمٌ}، أي يزيد على سبعمائة لمن يشاء فهو الواسع لا مانع من جوده و لا محدد لفضله كما قال تعالى: {منْ ذا الّذِي يُقْرِضُ اللّه قرْضاً حسناً فيُضاعِفهُ لهُ أضْعافاً كثِيرةً}۱، فأطلق الكثرة و لم يقيدها بعدد معين.
و قيل: إن معناه أن الله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء فالمضاعفة إلى سبعمائة ضعف غاية ما تدل عليه الآية، و فيه أن الجملة على هذا يقع موقع التعليل، و حق الكلام فيه حينئذ أن يصدر بأن كقوله تعالى: {اللّهُ الّذِي جعل لكُمُ اللّيْل لِتسْكُنُوا فِيهِ و النّهار مُبْصِراً إِنّ اللّه لذُو فضْلٍ على النّاسِ}٢، و أمثال ذلك.
و لم يقيد ما ضربه الله من المثل بالآخرة بل الكلام مطلق يشمل الدنيا كالآخرة و هو كذلك و الاعتبار يساعده، فالمنفق بشيء من ماله و إن كان يخطر بباله ابتداء أن المال قد فات عنه و لم يخلف بدلا، لكنه لو تأمل قليلا وجد أن المجتمع الإنساني بمنزلة شخص واحد ذو أعضاء مختلفة بحسب الأسماء و الأشكال لكنها جميعا متحدة في غرض الحياة، مرتبطة من حيث الأثر و الفائدة، فإذا فقد واحد منها نعمة الصحة و الاستقامة، و عي في فعله أوجب ذلك كلال الجميع في فعلها، و خسرانها في أغراضها
- سورة البقرة، الآية ٢٤٥
- سورة المؤمن، الآية ٦١

