تفسير الميزان ج۲
386الله لا مثل من أنفق و هو ظاهر.
و هذا الكلام و إن كان وجيها في نفسه لكن التدبر يعطي خلاف ذلك فإن جل الأمثال المضروبة في القرآن حالها هذا الحال فهو صناعة شائعة في القرآن كقوله تعالى: {مثلُ الّذِين كفرُوا كمثلِ الّذِي ينْعِقُ بِما لا يسْمعُ إِلاّ دُعاءً و نِداءً}۱، فإنه مثل من يدعو الكفار لا مثل الكفار، و قوله تعالى: {إِنّما مثلُ الْحياةِ الدُّنْيا كماءٍ أنْزلْناهُ}٢ (الآية)، و قوله تعالى: {مثلُ نُورِهِ كمِشْكاةٍ}٣ و قوله تعالى في الآيات التالية لهذه الآية: {فمثلُهُ كمثلِ صفْوانٍ} (الآية)، و قوله تعالى: {مثلُ الّذِين يُنْفِقُون أمْوالهُمُ اِبْتِغاء مرْضاتِ اللّهِ و تثْبِيتاً مِنْ أنْفُسِهِمْ كمثلِ جنّةٍ بِربْوةٍ} (الآية) إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة.
و هذه الأمثال المضروبة في الآيات تشترك جميعا في أنها اقتصر فيها على مادة التمثيل الذي يتقوم بها المثل مع الإعراض عن باقي أجزاء الكلام للإيجاز.
توضيحه: أن المثل في الحقيقة قصة محققة أو مفروضة مشابهة لأخرى في جهاتها يؤتى بها لينتقل ذهن المخاطب من تصورها إلى كمال تصور الممثل كقولهم: لا ناقة لي و لا جمل، و قولهم: في الصيف ضيعت اللبن من الأمثال التي لها قصص محققة يقصد بالتمثيل تذكر السامع لها و تطبيقها لمورد الكلام للاستيضاح، و لذا قيل: إن الأمثال لا تتغير، و كقولنا: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل من زرع حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، و هي قصة مفروضة خيالية.
و المعنى الذي يشتمل عليه المثل و يكون هو الميزان الذي يوزن به حال الممثل ربما كان تمام القصة التي هي المثل كما في قوله تعالى: {و مثلُ كلِمةٍ خبِيثةٍ كشجرةٍ خبِيثةٍ}٤ (الآية)، و قوله تعالى: {مثلُ الّذِين حُمِّلُوا التّوْراة ثُمّ لمْ يحْمِلُوها كمثلِ الْحِمارِ يحْمِلُ أسْفاراً}٥، و ربما كان بعض القصة مما يتقوم به غرض التمثيل و هو الذي نسميه مادة التمثيل، و إنما جيء بالبعض الآخر لتتميم القصة كما في المثال الأخير (مثال الإنفاق و الحبة) فإن مادة التمثيل إنما هي الحبة المنبتة لسبعمائة حبة و إنما ضممنا إليها الذي زرع لتتميم القصة.
و ما كان من أمثال القرآن مادة التمثيل فيه تمام المثل فإنه وضع على ما هو عليه،
- سورة البقرة، الآية ١٧١
- سورة يونس، الآية ٢٤
- سورة النور، الآية ٣٥
- سورة إبراهيم، الآية ٢٦
- سورة الجمعة، الآية ٥

