تفسير الميزان ج۲
385و يذكر أن في رواجه فساد الدنيا و هو من ملاحم القرآن الكريم، و قد كان جنينا أيام نزول القرآن فوضعته حامل الدنيا في هذه الأيام.
و إن شئت تصديق ما ذكرناه فتدبر فيما ذكره سبحانه في سورة الروم إذ قال: {فأقِمْ وجْهك لِلدِّينِ حنِيفاً فِطْرت اللّهِ الّتِي فطر النّاس عليْها لا تبْدِيل لِخلْقِ اللّهِ ذلِك الدِّينُ الْقيِّمُ و لكِنّ أكْثر النّاسِ لا يعْلمُون مُنِيبِين إِليْهِ و اِتّقُوهُ و أقِيمُوا الصّلاة و لا تكُونُوا مِن الْمُشْرِكِين مِن الّذِين فرّقُوا دِينهُمْ و كانُوا شِيعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لديْهِمْ فرِحُون و إِذا مسّ النّاس ضُرٌّ دعوْا ربّهُمْ مُنِيبِين إِليْهِ ثُمّ إِذا أذاقهُمْ مِنْهُ رحْمةً إِذا فرِيقٌ مِنْهُمْ بِربِّهِمْ يُشْرِكُون لِيكْفُرُوا بِما آتيْناهُمْ فتمتّعُوا فسوْف تعْلمُون} إلى أن قال: {فآتِ ذا الْقُرْبى حقّهُ و الْمِسْكِين و اِبْن السّبِيلِ ذلِك خيْرٌ لِلّذِين يُرِيدُون وجْه اللّهِ و أُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون و ما آتيْتُمْ مِنْ رِباً لِيرْبُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فلا يرْبُوا عِنْد اللّهِ و ما آتيْتُمْ مِنْ زكاةٍ تُرِيدُون وجْه اللّهِ فأُولئِك هُمُ الْمُضْعِفُون} - إلى أن قال -: {ظهر الْفسادُ فِي الْبرِّ و الْبحْرِ بِما كسبتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقهُمْ بعْض الّذِي عمِلُوا لعلّهُمْ يرْجِعُون قُلْ سِيرُوا فِي الْأرْضِ فانْظُرُوا كيْف كان عاقِبةُ الّذِين مِنْ قبْلُ كان أكْثرُهُمْ مُشْرِكِين فأقِمْ وجْهك لِلدِّينِ الْقيِّمِ مِنْ قبْلِ أنْ يأْتِي يوْمٌ لا مردّ لهُ مِن اللّهِ يوْمئِذٍ يصّدّعُون}۱، و للآيات نظائر في سور هود و يونس و الإسراء و الأنبياء و غيرها تنبئ عن هذا الشأن، سيأتي بيانها إن شاء الله.
و بالجملة هذا هو السبب فيما يتراءى من هذه الآيات أعني آيات الإنفاق من الحث الشديد و التأكيد البالغ في أمره.
(بيان)
قوله تعالى: {مثلُ الّذِين يُنْفِقُون أمْوالهُمْ فِي سبِيلِ اللّهِ كمثلِ حبّةٍ} إلخ، المراد بسبيل الله كل أمر ينتهي إلى مرضاته سبحانه لغرض ديني فعل الفعل لأجله، فإن الكلمة في الآية مطلقة، و إن كانت الآية مسبوقة بآيات ذكر فيها القتال في سبيل الله، و كانت كلمة، في سبيل الله، مقارنة للجهاد في غير واحد من الآيات، فإن ذلك لا يوجب التخصيص و هو ظاهر.
و قد ذكروا أن قوله تعالى: {كمثلِ حبّةٍ أنْبتتْ} إلخ، على تقدير قولنا كمثل من زرع حبة أنبتت إلخ، فإن الحبة المنبتة لسبع سنابل مثل المال الذي أنفق في سبيل
- سورة الروم، الآيات ٣٠-٤٣

