تفسير الميزان ج۲
373على أن المناسب لبيان الكيفية ختم الآية بصفة القدرة لا بصفتي العزة و الحكمة كما في قوله تعالى: {و مِنْ آياتِهِ أنّك ترى الْأرْض خاشِعةً فإِذا أنْزلْنا عليْها الْماء اِهْتزّتْ و ربتْ إِنّ الّذِي أحْياها لمُحْيِ الْموْتى إِنّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ}۱، فالآية كما ترى في مقام بيان الكيفية و قد ختمت بصفة القدرة المطلقة، و نظيره قوله تعالى: {أ و لمْ يروْا أنّ اللّه الّذِي خلق السّماواتِ و الْأرْض و لمْ يعْي بِخلْقِهِنّ بِقادِرٍ على أنْ يُحْيِي الْموْتى بلى إِنّهُ على كُلِّ شيْءٍ قدِيرٌ}٢، ففيه أيضا بيان الكيفية بإراءة الأمثال ثم ختم الكلام بصفة القدرة.
قوله تعالى: {قال أ و لمْ تُؤْمِنْ قال بلى و لكِنْ لِيطْمئِنّ قلْبِي}، بلى كلمة يرد به النفي و لذلك ينقلب به النفي إثباتا كقوله تعالى: {أ لسْتُ بِربِّكُمْ قالُوا بلى}٣، و لو قالوا نعم لكان كفرا، و الطمأنينة و الاطمينان سكون النفس بعد انزعاجها و اضطرابها، و هو مأخوذ من قولهم: اطمأنت الأرض و أرض مطمئنة إذا كانت فيه انخفاض يستقر فيها الماء إذا سال إليها و الحجر إذا هبط إليها.
و قد قال تعالى: {أ و لمْ تُؤْمِنْ}، و لم يقل: أ لم تؤمن للإشعار بأن للسؤال و الطلب محلا لكنه لا ينبغي أن يقارن عدم الإيمان بالإحياء: و لو قيل: أ لم تؤمن دل على أن المتكلم تلقى السؤال منبعثا عن عدم الإيمان، فكان عتابا و ردعا عن مثل هذا السؤال، و ذلك أن الواو للجميع، فكان الاستفهام معه استفهاما عن أن هذا السؤال هل يقارنه عدم الإيمان، لا استفهاما عن وجه السؤال حتى ينتج عتابا و ردعا.
و الإيمان مطلق في كلامه تعالى، و فيه دلالة على أن الإيمان بالله سبحانه لا يتحقق مع الشك في أمر الإحياء و البعث، و لا ينافي ذلك اختصاص المورد بالإحياء لأن المورد لا يوجب تخصيص عموم اللفظ و لا تقييد إطلاقه.
و كذا قوله تعالى حكاية عنه (عليه السلام): {لِيطْمئِنّ قلْبِي}، مطلق يدل على كون مطلوبه (عليه السلام) من هذا السؤال حصول الاطمينان المطلق و قطع منابت كل خطور قلبي و أعراقه، فإن الوهم في إدراكاتها الجزئية و أحكامها لما كانت معتكفة على باب الحس و كان جل أحكامها و تصديقاتها في المدركات التي تتلقاها من طريق الحواس فهي تنقبض عن مطاوعة ما صدقه العقل، و إن كانت النفس مؤمنة موقنة به، كما في الأحكام الكلية
- سورة فصلت، الآية ٣٩
- سورة الأحقاف، الآية ٣٣
- سورة الأعراف، الآية ١٧٢

