تفسير الميزان ج۲
369إلى الطير، و يلزم على قولهم: إن المراد تقطيعها و تفريق أجزائها، و وضع كل جزء منها على جبل ثم دعوتهن أن يفرق بين الضمائر فيعود الأولان إلى الطيور، و الثالث و الرابع إلى الأجزاء و هو خلاف الظاهر.
و أضاف إلى ذلك بعض من وافقه في معنى الآية وجوها أخرى نتبعها بها.
و ثالثا: أن إراءة كيفية الخلقة إن كان بمعنى مشاهدة كيفية تجمع أجزائها و تغير صورها إلى الصورة الأولى الحية فهي مما لا تحصل على ما ذكروه من تقطيعه الأجزاء و مزجه إياها و وضعه على جبل بعيد، جزءا منها فكيف يتصور على هذا مشاهدة ما يعرض ذرأت الأجزاء من الحركات المختلفة و التغيرات المتنوعة، و إن كان المراد إراءة كيفية الإحياء بمعنى الإحاطة على كنه كلمة التكوين التي هي الإرادة الإلهية المتعلقة بوجود الشيء و حقيقة نطقها بالأشياء فظاهر القرآن و هو ما عليه المسلمون أن هذا غير ممكن للبشر، فصفات الله منزهة عن الكيفية.
و رابعا: أن قوله: {ثُمّ اِجْعلْ}، يدل على التراخي الذي هو المناسب لمعنى التأنيس و كذلك قوله: {فصُرْهُنّ} بخلاف ما ذكروه من معنى الذبح و التقطيع.
و خامسا: أنه لو كان كما يقولون لكان الأنسب هو ختم الآية باسم القدير دون الاسمين: العزيز الحكيم فإن العزيز هو الغالب الذي لا ينال، هذا ما ذكروه.
و أنت بالتأمل في ما قدمناه من البيان تعرف سقوط ما ذكروه، فإن اشتمال الآية على السؤال بلفظ أرني و قوله: {كيْف تُحْيِ} و إجراء الأمر بيد إبراهيم على ما مر بيانها كل ذلك ينافي هذا المعنى، على أن الجزء في قوله تعالى: {ثُمّ اِجْعلْ على كُلِّ جبلٍ مِنْهُنّ جُزْءاً} ظاهره جزء الطير لا واحد من الطيور.
و أما الوجوه التي ذكروها فالجواب عن الأول: أن معنى صرهن قطعهن، و تعديته بإلى لمكان تضمينه معنى الإمالة كما في قوله تعالى: {الرّفثُ إِلى نِسائِكُمْ}۱، حيث ضمن معنى الإفضاء.
و عن الثاني: أن جميع الضمائر الأربع راجعة إلى الطيور، و الوجه في رجوع
- سورة البقرة، الآية ١٨٧

