تفسير الميزان ج۲
286ليتم الحجة عليهم بإنكارهم فيما سيجيبون به من قولهم: {و ما لنا ألاّ نُقاتِل فِي سبِيلِ اللّهِ}.
قوله تعالى: قالوا: {و ما لنا ألاّ نُقاتِل فِي سبِيلِ اللّهِ و قدْ أُخْرِجْنا}، الإخراج من البلاد لما كان ملازما للتفرقة بينهم و بين أوطانهم المألوفة، و منعهم عن التصرف فيها و التمتع بها، كني به عن مطلق التصرف و التمتع، و لذلك نسب الإخراج إلى الأبناء أيضا كما نسب إلى البلاد.
قوله تعالى: {فلمّا كُتِب عليْهِمُ الْقِتالُ تولّوْا إِلاّ قلِيلاً مِنْهُمْ و اللّهُ علِيمٌ بِالظّالِمِين}، تفريع على قول نبيهم: {هلْ عسيْتُمْ} إلخ، و قولهم: {و ما لنا ألاّ نُقاتِل}، و في قوله تعالى: {و اللّهُ علِيمٌ بِالظّالِمِين}، دلالة على أن قول نبيهم لهم: {هلْ عسيْتُمْإِنْ كُتِب عليْكُمُ الْقِتالُ ألاّ تُقاتِلُوا}، إنما كان لوحي من الله سبحانه: أنهم سيتولون عن القتال.
قوله تعالى: {و قال لهُمْ نبِيُّهُمْ إِنّ اللّه قدْ بعث} إلى قوله: {مِن الْمالِ} في جوابه (عليه السلام) هذا حيث نسب بعث الملك إلى الله تنبيه بما فات منهم إذ قالوا لنبيهم ابعث لنا ملكا نقاتل و لم يقولوا: اسأل الله أن يبعث لنا ملكا و يكتب لنا القتال.
و بالجملة التصريح باسم طالوت هو الذي أوجب منهم الاعتراض على ملكه و ذلك لوجود صفتين فيه كانتا تنافيان عندهم الملك، و هما ما حكاهما الله تعالى من قولهم {أنّى يكُونُ لهُ الْمُلْكُ عليْنا و نحْنُ أحقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ}، و من المعلوم أن قولهم هذا لنبيهم، و لم يستدلوا على كونهم أحق بالملك منه بشيء يدل على أن دليله كان أمرا بينا لا يحتاج إلى الذكر، و ليس إلا أن بيت النبوة و بيت الملك في بني إسرائيل و هما بيتان مفتخران بموهبة النبوة و الملك كانتا غير البيت الذي كان منه طالوت، و بعبارة أخرى لم يكن طالوت من بيت الملك و لا من بيت النبوة و لذلك اعترضوا على ملكه بأنى، و هم أهل بيت الملك أو الملك و النبوة معا، أحق بالملك منه لأن الله جعل الملك فينا فكيف يقبل الانتقال إلى غيرنا، و هذا الكلام منهم من فروع قولهم بنفي البداء و عدم جواز النسخ و التغيير حيث قالوا: {يدُ اللّهِ مغْلُولةٌ غُلّتْ أيْدِيهِمْ}، و قد أجاب عنه نبيهم بقوله: {إِنّ اللّه اِصْطفاهُ عليْكُمْ} فهذه إحدى الصفتين المنافيتين للملك عندهم، و الصفة الثانية ما

