تفسير الميزان ج۲
284أذلاء مخزيين ما داموا على الخمود و الكسل و التواني، فلما قاموا لله و قاتلوا في سبيل الله و استظهروا بكلمة الحق و إن كان الصادق منهم في قوله القليل منهم، و تولى أكثرهم عند إنجاز القتال أولا، و بالاعتراض على طالوت ثانيا، و بالشرب من النهر ثالثا، و بقولهم: لا طاقة لنا بجالوت و جنوده رابعا، نصرهم الله تعالى على عدوهم فهزموهم بإذن الله و قتل داود جالوت و استقر الملك فيهم، و عادت الحياة إليهم، و رجع إليهم سؤددهم و قوتهم، و لم يكن ذلك كله إلا لكلمة أجراها الإيمان و التقوى على لسانهم لما برزوا لجالوت و جنوده، و هي قولهم: {ربّنا أفْرِغْ عليْنا صبْراً و ثبِّتْ أقْدامنا و اُنْصُرْنا على الْقوْمِ الْكافِرِين}، فكذلك ينبغي للمؤمنين أن يسيروا بسيرة الصالحين من الماضين، فهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.
قوله تعالى: {و قاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ} (الآية)، فرض و إيجاب للجهاد، و قد قيده تعالى هاهنا و سائر المواضع من كلامه بكونه في سبيل الله لئلا يسبق إلى الوهم و لا يستقر في الخيال أن هذه الوظيفة الدينية المهمة لإيجاد السلطة الدنيوية الجافة، و توسعة المملكة الصورية، كما تخيله الباحثون اليوم في التقدم الإسلامي من الاجتماعيين و غيرهم، بل هو لتوسعة سلطة الدين التي فيها صلاح الناس في دنياهم و آخرتهم.
و في قوله تعالى: {و اِعْلمُوا أنّ اللّه سمِيعٌ علِيمٌ}، تحذير للمؤمنين في سيرهم هذا السير أن لا يخالفوا بالقول إذا أمر الله و رسوله بشيء، و لا يضمروا نفاقا كما كان ذلك من بني إسرائيل حيث تكلموا في أمر طالوت فقالوا: {أنّى يكُونُ لهُ الْمُلْكُ عليْنا} إلخ، و حيث قالوا: {لا طاقة لنا الْيوْم بِجالُوت و جُنُودِهِ}، و حيث فشلوا و تولوا لما كتب عليهم القتال و حيث شربوا من النهر بعد ما نهاهم طالوت عن شربه.
قوله تعالى: {منْ ذا الّذِي يُقْرِضُ اللّه قرْضاً حسناً} إلى قوله {أضْعافاً كثِيرةً}، القرض معروف و قد عد الله سبحانه ما ينفقونه في سبيله قرضا لنفسه لما مر أنه للترغيب، و لأنه إنفاق في سبيله، و لأنه مما سيرد إليهم أضعافا مضاعفة.
و قد غير سياق الخطاب من الأمر إلى الاستفهام فقيل بعد قوله: {و قاتِلُوا فِي سبِيلِ اللّهِ} {منْ ذا الّذِي يُقْرِضُ اللّه قرْضاً حسناً}، و لم يقل: قاتلوا في سبيل الله و أقرضوا، لينشط بذلك ذهن المخاطب بالخروج من حيز الأمر غير الخالي من كلفة

