تفسير الميزان ج۲
271و قد ذم الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات بمثل قوله و هو من أبلغ الذم: {و إِذا بُشِّر أحدُهُمْ بِالْأُنْثى ظلّ وجْهُهُ مُسْودًّا و هُو كظِيمٌ يتوارى مِن الْقوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّر بِهِ أ يُمْسِكُهُ على هُونٍ أمْ يدُسُّهُ فِي التُّرابِ ألا ساء ما يحْكُمُون}۱ و لم يكن تواريهم إلا لعدهم ولادتها عارا على المولود له، و عمدة ذلك أنهم كانوا يتصورون أنها ستكبر فتصير لعبة لغيرها يتمتع بها، و ذلك نوع غلبة من الزوج عليها في أمر مستهجن، فيعود عاره إلى بيتها و أبيها، و لذلك كانوا يئدون البنات و قد سمعت السبب الأول فيه فيما مر و قد بالغ الله سبحانه في التشديد عليه حيث قال: {و إِذا الْموْؤُدةُ سُئِلتْ بِأيِّ ذنْبٍ قُتِلتْ}٢.
و قد بقي من هذه الخرافات بقايا عند المسلمين ورثوها من أسلافهم، و لم يغسل رينها من قلوبهم المربون، فتراهم يعدون الزنا عارا لازما على المرأة و بيتها و إن تابت دون الزاني و إن أصر، مع أن الإسلام قد جمع العار و القبح كله في المعصية، و الزاني و الزانية سواء فيها.
و أما وزنها الاجتماعي: فإن الإسلام ساوى بينها و بين الرجل من حيث تدبير شئون الحياة بالإرادة و العمل فإنهما متساويان من حيث تعلق الإرادة بما تحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل و الشرب و غيرهما من لوازم البقاء، و قد قال تعالى: {بعْضُكُمْ مِنْ بعْضٍ}٣ فلها أن تستقل بالإرادة و لها أن تستقل بالعمل و تمتلك نتاجهما كما للرجل ذلك من غير فرق، {لها ما كسبتْ و عليْها ما اِكْتسبتْ}.
فهما سواء فيما يراه الإسلام و يحقه القرآن و الله يحق الحق بكلماته غير أنه قرر فيها خصلتين ميزها بهما الصنع الإلهي: إحداهما: أنها بمنزلة الحرث في تكون النوع و نمائه فعليها يعتمد النوع في بقائه فتختص من الأحكام بمثل ما يختص به الحرث، و تمتاز بذلك من الرجل. و الثانية أن وجودها مبني على لطافة البنية و رقة الشعور، و لذلك أيضا تأثير في أحوالها و الوظائف الاجتماعية المحولة إليها.
فهذا وزنها الاجتماعي، و بذلك يظهر وزن الرجل في المجتمع، و إليه تنحل جميع الأحكام المشتركة بينهما و ما يختص به أحدهما في الإسلام، قال تعالى: {و لا تتمنّوْا ما فضّل اللّهُ بِهِ بعْضكُمْ على بعْضٍ لِلرِّجالِ نصِيبٌ مِمّا اِكْتسبُوا و لِلنِّساءِ نصِيبٌ مِمّا اِكْتسبْن
- سورة النحل، الآية ٥٩
- سورة التكوير، الآية ٩
- سورة آل عمران، الآية ١٩٥

