تفسير الميزان ج۲
270و إنما أمهات الناس أوعية
و لا قال مثل ما قاله الآخر:
بنونا بنو أبنائنا و بناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد بل جعل تعالى كلا مخلوقا مؤلفا من كل. فعاد الكل أمثالا، و لا بيان أتم و لا أبلغ من هذا البيان، ثم جعل الفضل في التقوى.
و قال تعالى: {أنِّي لا أُضِيعُ عمل عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذكرٍ أوْ أُنْثى بعْضُكُمْ مِنْ بعْضٍ}۱ فصرح أن السعي غير خائب و العمل غير مضيع عند الله و علل ذلك بقوله: {بعْضُكُمْ مِنْ بعْضٍ} فعبر صريحا بما هو نتيجة قوله في الآية السابقة: {إِنّا خلقْناكُمْ مِنْ ذكرٍ و أُنْثى}، و هو أن الرجل و المرأة جميعا من نوع واحد من غير فرق في الأصل و السنخ.
ثم بين بذلك أن عمل كل واحد من هذين الصنفين غير مضيع عند الله لا يبطل في نفسه، و لا يعدوه إلى غيره، كل نفس بما كسبت رهينة، لا كما كان يقوله الناس: إن عليهن سيئاتهن، و للرجال حسناتهن من منافع وجودهن، و سيجيء لهذا الكلام مزيد توضيح.
و إذا كان لكل منهما ما عمل و لا كرامة إلا بالتقوى، و من التقوى الأخلاق الفاضلة كالإيمان بدرجاته، و العلم النافع، و العقل الرزين، و الخلق الحسن، و الصبر، و الحلم فالمرأة المؤمنة بدرجات الإيمان، أو المليئة علما، أو الرزينة عقلا، أو الحسنة خلقا أكرم ذاتا و أسمى درجة ممن لا يعادلها في ذلك من الرجال في الإسلام، كان من كان، فلا كرامة إلا للتقوى و الفضيلة.
و في معنى الآية السابقة و أوضح منها قوله تعالى: {منْ عمِل صالِحاً مِنْ ذكرٍ أوْ أُنْثى و هُو مُؤْمِنٌ فلنُحْيِينّهُ حياةً طيِّبةً و لنجْزِينّهُمْ أجْرهُمْ بِأحْسنِ ما كانُوا يعْملُون}٢، و قوله تعالى: {و منْ عمِل صالِحاً مِنْ ذكرٍ أوْ أُنْثى و هُو مُؤْمِنٌ فأُولئِك يدْخُلُون الْجنّة يُرْزقُون فِيها بِغيْرِ حِسابٍ}٣، و قوله تعالى: {و منْ يعْملْ مِن مِنْ ذكرٍ أوْ أُنْثى و هُو مُؤْمِنٌ فأُولئِك يدْخُلُون الْجنّة و لا يُظْلمُون نقِيراً}٤.
- سورة آل عمران، الآية ١٩٥
- سورة النحل، الآية، ٩٧
- سورة المؤمن، الآية ٤٠
- سورة النساء، الآية ١٢٤

