تفسير الميزان ج۲
239المخاطبة و هو رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) فإنه هو المخاطب بالكلام من غير واسطة، و غيره فمخاطب بوساطته، و أما الخطابات المشتملة على الأحكام فجميعها موجهة نحو المجموع، و يرجع حقيقة هذا النوع من الالتفات الكلامي إلى توسعة الخطاب بعد تضييقه و تضييقه بعد توسعته فليتدبر فيه.
قوله تعالى: {ذلِكُمْ أزْكى لكُمْ و أطْهرُ}، الزكاة هو النمو الصالح الطيب، و قد مر الكلام في معنى الطهارة، و المشار إليه بقوله: {ذلِكُمْ} عدم المنع عن رجوعهن إلى أزواجهن، أو نفس رجوعهن إلى أزواجهن، و المآل واحد، و ذلك أن فيه رجوعا من الانثلام و الانفصال إلى الالتيام و الاتصال، و تقوية لغريزة التوحيد في النفوس فينمو على ذلك جميع الفضائل الدينية، و فيه تربية لملكة العفة و الحياء فيهن و هو أستر لهن و أطهر لنفوسهن، و من جهة أخرى فيه حفظ قلوبهن عن الوقوع على الأجانب إذا منعن عن نكاح أزواجهن.
و الإسلام دين الزكاة و الطهارة و العلم، قال تعالى: {و يُزكِّيهِمْ و يُعلِّمُهُمُ الْكِتاب و الْحِكْمة}۱، و قال تعالى: {و لكِنْ يُرِيدُ لِيُطهِّركُمْ}٢.
قوله تعالى: {و اللّهُ يعْلمُ و أنْتُمْ لا تعْلمُون}، أي إلا ما يعلمكم كما قال تعالى. {و يُعلِّمُهُمُ الْكِتاب و الْحِكْمة}٣، و قال تعالى: {و لا يُحِيطُون بِشيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاء}٤، فلا تنافي بين هذه الآية و بين قوله تعالى: {و تِلْك حُدُودُ اللّهِ يُبيِّنُها لِقوْمٍ يعْلمُون} (الآية) أي يعلمون بتعليم الله.
قوله تعالى: {و الْوالِداتُ يُرْضِعْن أوْلادهُنّ حوْليْنِ كامِليْنِ لِمنْ أراد أنْ يُتِمّ الرّضاعة}. الوالدات هن الأمهات، و إنما عدل عن الأمهات إلى الوالدات لأن الأم أعم من الوالدة كما أن الأب أعم من الوالد و الابن أعم من الولد، و الحكم في الآية مشروع في خصوص مورد الوالدة و الولد و المولود له، و أما تبديل الوالد بالمولود له، ففيه إشارة إلى حكمة التشريع فإن الوالد لما كان مولودا للوالد ملحقا به في معظم أحكام حياته لا في جميعها كما سيجيء بيانها في آية التحريم من سورة النساء إن شاء الله كان عليه أن يقوم بمصالح حياته و لوازم تربيته، و منها كسوة أمه التي ترضعه، و نفقتها، و كان على أمه أن لا تضار والدة لأن الولد مولود له.
- سورة آل عمران، الآية ١٦٤
- سورة المائدة، الآية ٧
- سورة آل عمران، الآية ١٦٤
- سورة البقرة، الآية ٢٥٥

