تفسير الميزان ج۲
237من الأحكام تشريعا جامدا يقتصر فيه على أجرام الأفعال أخذا و إعطاء و إمساكا و تسريحا و غير ذلك، بل بناها على مصالح عامة يصلح بها فاسد الاجتماع، و يتم بها سعادة الحياة الإنسانية، و خلطها بأخلاق فاضلة تتربى بها النفوس، و تطهر بها الأرواح، و تصفو بها المعارف العالية: من التوحيد و الولاية و سائر الاعتقادات الزاكية، فمن اقتصر في دينه على ظواهر الأحكام و نبذ غيرها وراء ظهره فقد اتخذ آيات الله هزوا.
و المراد بالنعمة في قوله تعالى: {و اُذْكُرُوا نِعْمت اللّهِ عليْكُمْ}، نعمة الدين أو حقيقة الدين و هي السعادة التي تنال بالعمل بشرائع الدين كسعادة الحياة المختصة بتألف الزوجين، فإن الله تعالى سمى السعادة الدينية نعمة كما في قوله تعالى: {و أتْممْتُ عليْكُمْ نِعْمتِي}۱، و قوله تعالى: {و لِيُتِمّ نِعْمتهُ عليْكُمْ}٢، و قوله تعالى: {فأصْبحْتُمْ بِنِعْمتِهِ إِخْواناً}٣.
و على هذا يكون قوله تعالى بعده: {و ما أنْزل عليْكُمْ مِن الْكِتابِ و الْحِكْمةِ يعِظُكُمْ بِهِ}، كالمفسر لهذه النعمة، و يكون المراد بالكتاب و الحكمة ظاهر الشريعة و باطنها أعني أحكامها و حكمها.
و يمكن أن يكون المراد بالنعمة مطلق النعم الإلهية، التكوينية و غيرها فيكون المعنى: اذكروا حقيقة معنى حياتكم و خاصة المزايا و محاسن التألف و السكونة بين الزوجين و ما بينه الله تعالى لكم بلسان الوعظ من المعارف المتعلقة بها في ظاهر الأحكام و حكمها فإنكم إن تأملتم ذلك أوشك أن تلزموا صراط السعادة، و لا تفسدوا كمال حياتكم و نعمة وجودكم، و اتقوا الله و لتتوجه نفوسكم إلى أن الله بكل شيء عليم، حتى لا يخالف ظاهركم باطنكم، و لا تجترءوا على الله بهدم باطن الدين في صورة تعمير ظاهره.
قوله تعالى: {و إِذا طلّقْتُمُ النِّساء فبلغْن أجلهُنّ فلا تعْضُلُوهُنّ أنْ ينْكِحْن أزْواجهُنّ إِذا تراضوْا بيْنهُمْ بِالْمعْرُوفِ}، العضل المنع، و الظاهر أن الخطاب في قوله: {فلا تعْضُلُوهُنّ}، لأوليائهن و من يجري مجراهم ممن لا يسعهن مخالفته، و المراد بأزواجهن، الأزواج قبل الطلاق، فالآية تدل على نهي الأولياء و من يجري مجراهم عن منع المرأة أن تنكح زوجها ثانيا بعد انقضاء العدة سخطا و لجاجا كما يتفق كثيرا، و لا دلالة في ذلك على أن العقد لا يصح إلا بولي.
- سورة المائدة، الآية ٣
- سورة المائدة، الآية ٦
- سورة آل عمران، الآية ١٠٣

