تفسير الميزان ج۲
236و قد اشتملت هذه الآية و التي قبلها على عدد كثير من الأسماء المنكرة و الكنايات من غير رداءة في السياق كقوله تعالى: {فإِمْساكٌ بِمعْرُوفٍ أوْ تسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ}، أربعة أسماء منكرة، و قوله تعالى: {مِمّا آتيْتُمُوهُنّ شيْئاً} كنى به عن المهر، و قوله تعالى: {فإِنْ خِفْتُمْ}، كنى به عن وجوب كون الخوف جاريا على مجرى العادة المعروفة، و قوله تعالى: {فِيما اِفْتدتْ بِهِ}، كنى به عن مال الخلع، و قوله تعالى: {فإِنْ طلّقها}، أريد به التطليقة الثالثة، و قوله تعالى: {فلا تحِلُّ لهُ}، أريد به تحريم العقد و الوطء، و قوله تعالى: {حتّى تنْكِح زوْجاً غيْرهُ}، أريد به العقد و الوطء معا كناية مؤدبة، و قوله تعالى: {أنْ يتراجعا}، كنى به عن العقد.
و في الآيتين حسن المقابلة بين الإمساك و التسريح، و بين قوله {أنْ يخافا ألاّ يُقِيما حُدُود اللّهِ} و بين قوله: {إِنْ ظنّا أنْ يُقِيما حُدُود اللّهِ}، و التفنن في التعبير في قوله: {فلا تعْتدُوها} و قوله: {و منْ يتعدّ}.
قوله تعالى: {و إِذا طلّقْتُمُ النِّساء فبلغْن أجلهُنّ} إلى قوله: {لِتعْتدُوا}، المراد ببلوغ الأجل الإشراف على انقضاء العدة فإن البلوغ كما يستعمل في الوصول إلى الغاية كذلك يستعمل في الاقتراب منها، و الدليل على أن المراد به ذلك قوله تعالى: {فأمْسِكُوهُنّ بِمعْرُوفٍ أوْ سرِّحُوهُنّ بِمعْرُوفٍ}، إذ لا معنى للإمساك و لا التسريح بعد انقضاء العدة و في قوله تعالى: {و لا تُمْسِكُوهُنّ ضِراراً لِتعْتدُوا}، نهى عن الرجوع بقصد المضارة كما نهى عن التسريح بالأخذ من المهر في غير الخلع.
قوله تعالى: {و منْ يفْعلْ ذلِك فقدْ ظلم نفْسهُ} إلى آخر الآية إشارة إلى حكمة النهي عن الإمساك للمضارة فإن التزوج لتتميم سعادة الحياة، و لا يتم ذلك إلا بسكون كل من الزوجين إلى الآخر و إعانته في رفع حوائج الغرائز، و الإمساك خاصة رجوع إلى الاتصال و الاجتماع بعد الانفصال و الافتراق، و فيه جمع الشمل بعد شتاته، و أين ذلك من الرجوع بقصد المضارة.
فمن يفعل ذلك أي أمسك ضرارا فقد ظلم نفسه حيث حملها على الانحراف عن الطريقة التي تهدي إليها فطرته الإنسانية.
على أنه اتخذ آيات الله هزوا يستهزئ بها فإن الله سبحانه لم يشرع ما شرعه لهم

