تفسير الميزان ج۲
225و الأمر بالرأس، و اشتقاق اللغات المختلفة منه، كالرأس و الرئيس و الرئاسة، و رأس الخيط، و رأس المدة، و رأس المسافة، و رأس الكلام، و رأس الجبل، و الرأس من الدواب و الأنعام، و رئاس السيف.
فهذا - على ما يظهر - هو السبب في إسنادهم الإدراك و الشعور و ما لا يخلو عن شوب إدراك مثل الحب و البغض و الرجاء و الخوف و القصد و الحسد و العفة و الشجاعة و الجرأة و نحو ذلك إلى القلب، و مرادهم به الروح المتعلقة بالبدن أو السارية فيه بواسطته، فينسبونها إليه كما ينسبونها إلى الروح و كما ينسبونها إلى أنفسهم، يقال: أحببته و أحبته روحي و أحبته نفسي و أحبه قلبي ثم استقر التجوز في الاستعمال فأطلق القلب و أريد به النفس مجازا كما ربما تعدوا عنه إلى الصدر فجعلوه لاشتماله على القلب مكانا لأنحاء الإدراك و الأفعال و الصفات الروحية.
و في القرآن شيء كثير من هذا الباب، قال تعالى: {يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاَمِ}۱، و قال تعالى: {أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ}٢، و قال تعالى: {وَ بَلَغَتِ اَلْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ}٣، و هو كناية عن ضيق الصدر، و قال تعالى: {إِنَّ اَللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ اَلصُّدُورِ}٤، و ليس من البعيد أن تكون هذه الإطلاقات في كتابه تعالى إشارة إلى تحقيق هذا النظر و إن لم يتضح كل الاتضاح بعد.
و قد رجح الشيخ أبو علي بن سينا كون الإدراك للقلب بمعنى أن دخالة الدماغ فيه دخالة الآلة فللقلب الإدراك و للدماغ الوساطة.
و لنرجع إلى الآية و لا يخلو قوله تعالى: {وَ لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}، عن مجاز عقلي فإن ظاهر الإضراب عن المؤاخذة في بعض أقسام اليمين و هو اللغو إلى بعض آخر أن تتعلق بنفسه و لكن عدل عنه إلى تعليقه بأثره و هو الإثم المترتب عليه عند الحنث ففيه مجاز عقلي و إضراب في إضراب للإشارة إلى أن الله سبحانه لا شغل له إلا بالقلب كما قال تعالى: {إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اَللَّهُ}٥ و قال تعالى: {وَ لَكِنْ يَنَالُهُ اَلتَّقْوىََ مِنْكُمْ}٦.
و في قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}، إشارة إلى كراهة اللغو من اليمين، فإنه مما
- سورة الأنعام، الآية ١٢٥
- سورة الحجر، الآية ٩٧
- سورة الأحزاب، الآية ١٠
- سورة المائدة، الآية ٧
- سورة البقرة، الآية ٢٨٤
- سورة الحج، الآية ٣٧

