تفسير الميزان ج۲
223ما حلف به و يصغر أمر ما أقسم به لكثرة تناوله فلا يبالي الكذب فيكثر منه هذا عند نفسه، و كذا يهون خطبه و ينزل قدره عند الناس لاستشعارهم أنه لا يرى لنفسه عند الناس قدم صدق و يعتقد أنهم لا يصدقونه فيما يقول، و لا أنه يوقر نفسه بالاعتماد عليها، فيكون على حد قوله تعالى: {وَ لاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ}۱، و الأنسب على هذا المعنى أيضا عدم تقدير لا في الكلام بل قوله تعالى: {أَنْ تَبَرُّوا} منصوب بنزع الخافض أو مفعول له لما يدل عليه النهي في قوله {وَ لاَ تَجْعَلُوا}، كما مر.
و في قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} نوع تهديد على جميع المعاني غير أن المعنى الأول أظهرها كما لا يخفى.
قوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} إلى آخر الآية، اللغو من الأفعال ما لا يستتبع أثرا، و أثر الشيء يختلف باختلاف جهاته و متعلقاته، فلليمين أثر من حيث إنه لفظ، و أثر من حيث إنه مؤكد للكلام، و أثر من حيث إنه عقد و أثر من حيث حنثه و مخالفة مؤداه، و هكذا إلا أن المقابلة في الآية بين عدم المؤاخذة على لغو اليمين و بين المؤاخذة على ما كسبته القلوب و خاصة من حيث اليمين تدل على أن المراد بلغو اليمين ما لا يؤثر في قصد الحالف، و هو اليمين الذي لا يعقد صاحبه على شيء من قول: لا و الله و بلى و الله.
و الكسب هو اجتلاب المنافع بالعمل بصنعة أو حرفة أو نحوهما و أصله في اقتناء ما يرتفع به حوائج الإنسان المادية ثم أستعير لكل ما يجتلبه الإنسان بعمل من أعماله من خير أو شر ككسب المدح و الفخر و حسن الذكر بحسن الخلق و الخدمات النوعية و كسب الخلق الحسن و العلم النافع و الفضيلة بالأعمال المناسبة لها، و كسب اللوم و الذم، و اللعن و الطعن، و الذنوب و الآثام، و نحوها بالأعمال المستتبعة لذلك، فهذا هو معنى الكسب و الاكتساب، و قد قيل في الفرق بينهما إن الاكتساب اجتلاب الإنسان المنفعة لنفسه، و الكسب أعم مما يكون لنفسه أو غيره مثل كسب العبد لسيده و كسب الولي للمولى عليه و نحو ذلك.
و كيف كان فالكاسب و المكتسب هو الإنسان لا غير.
(كلام في معنى القلب في القرآن)
و هذا من الشواهد على أن المراد بالقلب هو الإنسان بمعنى النفس و الروح،
- سورة القلم، الآية ١٠

