تفسير الميزان ج۲
22و سيجيء بيانه قوله تعالى: {وَ لَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ اَلْمَثَانِي وَ اَلْقُرْآنَ اَلْعَظِيمَ}۱.
و المراد بالسبع المثاني سورة الحمد و قد قوبل بها القرآن العظيم و فيه تمام التجليل لشأنها و التعظيم لخطرها لكنها لم تعد قرآنا بل سبعا من آيات القرآن و جزءا منه بدليل قوله تعالى: {كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ}٢.
و مع ذلك فاشتمال السورة على ذكر سورة الحمد يدل على سبق نزولها نزول سورة الحجر و السورة مشتملة أيضا على قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ}٣، و يدل ذلك على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كان قد كف عن الإنذار مدة ثم أمر به ثانيا بقوله تعالى: {فَاصْدَعْ}.
و أما سورة المدثر و ما تشتمل عليه من قوله: {قُمْ فَأَنْذِرْ}٤، فإن كانت السورة نازلة بتمامها دفعة كان حال هذه الآية قم فأنذر، حال قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} (الآية)، لاشتمال هذه السورة أيضا على قوله تعالى: {ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً}٥ إلى آخر الآيات، و هي قريبة المضمون من قوله في سورة الحجر: {وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ} إلخ، و إن كانت السورة نازلة نجوما فظاهر السياق أن صدرها قد نزل في بدء الرسالة.
و ثالثا: أن قوله: إن الروايات الدالة على نزول القرآن في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور جملة واحدة قبل البعثة ثم نزول الآيات نجوما على رسول الله أخبار مجعولة خرافية لمخالفتها الكتاب و عدم استقامة مضمونها، و أن المراد باللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة و بالبيت المعمور كرة الأرض خطأ و فرية.
أما أولا: فلأنه لا شيء من ظاهر الكتاب يخالف هذه الأخبار على ما عرفت.
و أما ثانيا: فلأن الأخبار خالية عن كون النزول الجملي قبل البعثة بل الكلمة مما أضافها هو إلى مضمونها من غير تثبت.
و أما ثالثا: فلأن قوله: إن اللوح المحفوظ هو عالم الطبيعة تفسير شنيع و أنه أضحوكة و ليت شعري: ما هو الوجه المصحح على قوله لتسمية عالم الطبيعة في كلامه تعالى لوحا محفوظا؟ أ ذلك لكون هذا العالم محفوظا عن التغير و التحول؟ فهو عالم الحركات، سيال الذات، متغير الصفات! أو لكونه محفوظا عن الفساد تكوينا أو تشريعا؟ فالواقع خلافه! أو لكونه محفوظا عن اطلاع غير أهله عليه؟ كما يدل
- سورة الحجر، الآية ۸۷
- سورة الزمر، الآية ٢٣
- سورة الحجر، الآية ٩٥
- سورة المدثر، الآية ٢
- سورة المدثر، الآية ۱۱

