تفسير الميزان ج۲
210هذا يكون أصل استعمال القذارة بمعنى النجاسة من باب الاستعارة لاستلزام نجاسة الشيء تبعد الإنسان عنه، و كذلك الرجس و الرجز بكسر الراء، و كان الأصل في معناه الهول و الوحشة فدلالته على النجاسة استعارية.
و قد اعتبر الإسلام معنى الطهارة و النجاسة، و عممهما في المحسوس و المعقول، و طردهما في المعارف الكلية، و في القوانين الموضوعة، قال تعالى: {وَ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} (الآية)، و هو النقاء من الحيض و انقطاع الدم، و قال تعالى: {وَ ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}۱، و قال تعالى: {وَ لَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}٢، و قال تعالى: {أُولَئِكَ اَلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}٣، و قال تعالى: {لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ اَلْمُطَهَّرُونَ}٤.
و قد عدت الشريعة الإسلامية عدة أشياء نجسة كالدم و البول و الغائط و المني من الإنسان و بعض الحيوان و الميتة و الخنزير أعيانا نجسة، و حكم بوجوب الاجتناب عنها في الصلاة و في الأكل و في الشرب، و قد عد من الطهارة أمورا كالطهارة الخبثية المزيلة للنجاسة الحاصلة بملاقات الأعيان النجسة، و كالطهارة الحدثية المزيلة للحدث الحاصلة بالوضوء و الغسل على الطرق المقررة شرعا المشروحة في كتب الفقه.
و قد مر بيان أن الإسلام دين التوحيد فهو يرجع الفروع إلى أصل واحد هو التوحيد، و ينشر الأصل الواحد في فروعه.
و من هنا يظهر: أن أصل التوحيد هي الطهارة الكبرى عند الله سبحانه، و بعد هذه الطهارة بقية المعارف الكلية طهارات للإنسان، و بعد ذلك أصول الأخلاق الفاضلة، و بعد ذلك الأحكام الموضوعة لصلاح الدنيا و الآخرة، و على هذا الأصل تنطبق الآيات السابقة المذكورة آنفا كقوله تعالى: {يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}٥، و قوله تعالى: {وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}٦، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في معنى الطهارة.
و لنرجع إلى ما كنا فيه فقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ}، أي ينقطع عنهن الدم، و هو الطهر بعد الحيض و قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أي، يغسلن محل الدم أو يغتسلن، قوله تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اَللَّهُ}، أمر يفيد الجواز لوقوعه بعد الحظر، و هو
- سورة المدثر، الآية ٤
- سورة المائدة، الآية ٦
- سورة المائدة، الآية ٤١
- سورة الواقعة، الآية ٧٩
- سورة المائدة، الآية ٦
- سورة الأحزاب، الآية ٣٣

