تفسير الميزان ج۲
10و يكون جميع الآيات الثلاث كلاما واحدا مسوقا لغرض واحد و هو فرض صيام شهر رمضان، و أما جعل قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأ خبره قوله: {اَلَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ اَلْقُرْآنُ} فإنه و إن أوجب استقلال الآية و صلاحيتها لأن تنزل وحدها غير أنها لا تصلح حينئذ لأن تكون ناسخة لما قبلها لعدم المنافاة بينها و بين سابقتها، مع أن النسخ مشروط بالتنافي و التباين.
و أضعف من هذا القول قول آخرين على ما يظهر منهم -: أن الآية الثانية أعني قوله تعالى: {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} إلخ، ناسخة للآية الأولى أعني قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلخ، و ذلك أن الصوم كان مكتوبا على النصارى ثم زادوا فيه و نقصوا بعد عيسى (عليه السلام) حتى استقر على خمسين يوما، ثم شرعه الله في حق المسلمين بالآية الأولى فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و الناس يصومونها في صدر الإسلام حتى نزل قوله تعالى: {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} إلخ، فنسخ الحكم و استقر الحكم على غيره.
و هذا القول أوهن من سابقه و أظهر بطلانا، و يرد عليه جميع ما يرد على سابقه من الإشكال، و كون الآية الثانية من متممات الآية الأولى أظهر و أجلى، و ما استند إليه القائل من الروايات أوضح مخالفة لظاهر القرآن و سياق الآية.
قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} الفاء للتفريع و الجملة متفرعة على قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} و قوله: {مَعْدُودَاتٍ} اه، أي إن الصيام مكتوب مفروض، و العدد مأخوذ في الفرض، و كما لا يرفع اليد عن أصل الفرض كذلك لا يرفع اليد عن العدد، فلو عرض عارض يوجب ارتفاع الحكم الفرض عن الأيام المعدودات التي هي أيام شهر رمضان كعارض المرض و السفر، فإنه لا يرفع اليد عن الصيام عدة من أيام أخر خارج شهر رمضان تساوي ما فات المكلف من الصيام عددا، و هذا هو الذي أشار تعالى إليه في الآية الثالثة بقوله: {وَ لِتُكْمِلُوا اَلْعِدَّةَ} فقوله تعالى: {أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ} كما يفيد معنى التحقير كما مر يفيد كون العدد ركنا مأخوذا في الفرض و الحكم.
ثم إن المرض خلاف الصحة و السفر مأخوذ من السفر بمعنى الكشف كأن المسافر

