
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
89ليست بمقصوده، و لا البيانات اللفظية تنطبق على شيء منها.
و البحث الصحيح يوجب أن تفسر هذه البيانات اللفظية على ما يعطيها اللفظ في العرف و اللغة ثم يعتمد في أمر المصداق على ما يفسر به بعض الكلام بعضا ثم ينظر، هل الأنظار العلمية تنافيها أو تبطلها؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شيء خارج عن المادة و حكمها فإنما الطريق إليه إثباتا أو نفيا طور آخر من البحث غير البحث الطبيعي الذي تتكفله العلوم الطبيعية، فما للعلم الباحث عن الطبيعة و للأمر الخارج عنها؟ فإن العلم الباحث عن المادة و خواصها ليس من وظيفته أن يتعرض لغير المادة و خواصها لا إثباتا و لا نفيا.
و لو فعل شيئا منه باحث من بحاثه كان ذلك منه شططا من القول، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفيا أو إثباتا، و لنرجع إلى بقية الآيات.
و قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اَلنَّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا اَلنَّاسُ وَ اَلْحِجَارَةُ}. سوق الآيات من أول السورة و إن كانت لبيان حال المتقين و الكافرين و المنافقين (الطوائف الثلاث) جميعا لكنه سبحانه حيث جمعهم طرا في قوله: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، و دعاهم إلى عبادته تقسموا لا محالة إلى مؤمن و غيره فإن هذه الدعوة لا تحتمل من حيث إجابتها و عدمها غير القسمين: المؤمن و الكافر و أما المنافق فإنما يتحقق بضم الظاهر إلى الباطن، و اللسان إلى القلب فكان هناك من جمع بين اللسان و القلب إيمانا أو كفرا و من اختلف لسانه و قلبه و هو المنافق، فلما ذكرنا (لعله) أسقط المنافقون من الذكر، و خص بالمؤمنين و الكافرين و وضع الإيمان مكان التقوى.
ثم إن الوقود ما توقد به النار و قد نصت الآية على أنه نفس الإنسان، فالإنسان وقود و موقود عليه، كما في قوله تعالى أيضا: {ثُمَّ فِي اَلنَّارِ يُسْجَرُونَ} المؤمن - ٧٢ و قوله تعالى: {نَارُ اَللَّهِ اَلْمُوقَدَةُ اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ} اللمزة - ٧، فالإنسان معذب بنار توقده نفسه، و هذه الجملة نظيره قوله تعالى: {كُلَّما رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا اَلَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} البقرة - ٢٥، ظاهرة في أنه ليس للإنسان هناك إلا ما هيأه من هاهنا، كما- عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): كما تعيشون تموتون و كما
