
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
437ذرة شرا يره و لكل عمل عكس عمل في قانونها لكنها تعد القتل في مورد القتل ظلما و تنقض حكم نفسها.
على أن الإسلام لا يرى في الدنيا قيمة للإنسان يقوم بها و لا وزنا يوزن به إلا إذا كان على دين التوحيد فوزن الاجتماع الإنساني و وزن الموحد الواحد عنده سيان، فمن الواجب أن يكون حكمهما عنده واحدا، فمن قتل مؤمنا كان كمن قتل الناس جميعا من نظر إزرائه و هتكه لشرف الحقيقة كما أن من قتل نفسا كان كمن قتل الناس جميعا من نظر الطبيعة الوجودية، و أما الملل المتمدنة فلا يبالون بالدين و لو كانت شرافة الدين عندهم تعادل في قيمتها أو وزنها - فضلا عن التفوق - الاجتماع المدني في الفضل لحكموا فيه بما حكموا في ذلك.
على أن الإسلام يشرع للدنيا لا لقوم خاص و أمة معينة، و الملل الراقية إنما حكمت بما حكمت بعد ما أذعنت بتمام التربية في أفرادها و حسن صنيع حكوماتها و دلالة الإحصاء في مورد الجنايات و الفجائع على أن التربية الموجودة مؤثرة و أن الأمة في أثر تربيتهم متنفرة عن القتل و الفجيعة فلا تتفق بينهم إلا في الشذوذ و إذا اتفقت فهي ترتضي المجازاة بما دون القتل، و الإسلام لا يأبى عن تجويز هذه التربية و أثرها الذي هو العفو مع قيام أصل القصاص على ساق.
و يلوح إليه قوله تعالى في آية القصاص: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}، فاللسان لسان التربية و إذا بلغ قوم إلى حيث أذعنوا بأن الفخر العمومي في العفو لم ينحرفوا عنه إلى مسلك الانتقام.
و أما غير هؤلاء الأمم فالأمر فيها على خلاف ذلك و الدليل عليه ما نشاهده من حال الناس و أرباب الفجيعة و الفساد فلا يخوفهم حبس و لا عمل شاق و لا بصدهم وعظ و نصح، و ما لهم من همة و لا ثبات على حق إنساني، و الحياة المعدة لهم في السجون أرفق و أعلى و أسنى مما لهم في أنفسهم من المعيشة الردية الشقية فلا يوحشهم لوم و لا ذم، و لا يدهشهم سجن و لا ضرب، و ما نشاهده أيضا من ازدياد عدد الفجائع في الإحصاءات يوما فيوما فالحكم العام الشامل للفريقين - و الأغلب منهما الثاني - لا يكون إلا القصاص و جواز العفو فلو رقت الأمة و ربيت تربية ناجحة أخذت بالعفو (و الإسلام لا يألو جهده في التربية) و لو لم يسلك إلا الانحطاط أو كفرت بأنعم ربها
