
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
429في القلب بعروض شك أو اضطراب أو اعتراض أو سخط في شيء مما يصيبه مما لا ترتضيه النفس، و لا في خلق و لا في عمل، و الدليل على أن المراد به ذلك قوله في ذيل الآية: {أُولَئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا}، فقد أطلق الصدق و لم يقيده بشيء من أعمال القلب و الجوارح فهم مؤمنون حقا صادقون في إيمانهم كما قال تعالى: {فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} النساء ٦٨ و حينئذ ينطبق حالهم على المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان التي مر بيانها في ذيل قوله تعالى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ} البقرة ١٣١.
ثم ذكر تعالى نبذا من أعمالهم بقوله: {وَ آتَى اَلْمَالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتَامى وَ اَلْمَسَاكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ وَ اَلسَّائِلِينَ وَ فِي اَلرِّقَابِ وَ أَقَامَ اَلصَّلاَةَ وَ آتَى اَلزَّكَاةَ}، فذكر الصلاة - و هي حكم عبادي - و قد قال تعالى: {إِنَّ اَلصَّلاَةَ تَنْهى عَنِ اَلْفَحْشَاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ} العنكبوت - ٤٥، و قال: {وَ أَقِمِ اَلصَّلاَةَ لِذِكْرِي} طه - ١٤، و ذكر الزكاة - و هي حكم مالي فيه صلاح المعاش - و ذكر قبلهما إيتاء المال و هو بث الخير و نشر الإحسان غير الواجب لرفع حوائج المحتاجين و إقامة صلبهم.
ثم ذكر سبحانه نبذا من جمل أخلاقهم بقوله: {وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَ اَلصَّابِرِينَ فِي اَلْبَأْسَاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ وَ حِينَ اَلْبَأْسِ}، فالعهد هو الالتزام بشيء و العقد له - و قد أطلقه تعالى - و هو مع ذلك لا يشمل الإيمان و الالتزام بأحكامه - كما توهمه بعضهم - لمكان قوله إذا عاهدوا، فإن الالتزام بالإيمان و لوازمه لا يقبل التقيد بوقت دون وقت - كما هو ظاهر - و لكنه يشتمل بإطلاقه كل وعد وعده الإنسان و كل قول قاله التزاما كقولنا: لأفعلن كذا و لأتركن، و كل عقد عقد به في المعاملات و المعاشرات و نحوها، و الصبر هو الثبات على الشدائد حين تهاجم المصائب أو مقارعة الأقران، و هذان الخلقان و إن لم يستوفيا جميع الأخلاق الفاضلة غير أنهما إذا تحققا تحقق ما دونهما، و الوفاء بالعهد و الصبر عند الشدائد خلقان يتعلق أحدهما بالسكون و الآخر بالحركة و هو الوفاء فالإتيان بهذين الوصفين من أوصافهم بمنزلة أن يقال: إنهم إذا قالوا قولا أقدموا عليه و لم يتجافوا عنه بالزوال.
و أما ما عرفهم به ثانيا بقوله: {أُولَئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا}، فهو وصف جامع لجمل فضائل العلم و العمل فإن الصدق خلق يصاحب جميع الأخلاق من العفة و الشجاعة
