
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
428عَاهَدُوا وَ اَلصَّابِرِينَ فِي اَلْبَأْسَاءِ وَ اَلضَّرَّاءِ وَ حِينَ اَلْبَأْسِ أُولَئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ ١٧٧}
(بيان)
قيل: كثر الجدال و الخصام بين الناس بعد تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة و طالت المشاجرة فنزلت الآية.
قوله تعالى: {لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ}، البر بالكسر التوسع من الخير و الإحسان، و البر بالفتح صفة مشبهة منه، و القبل بالكسر فالفتح الجهة و منه القبلة و هي النوع من الجهة، و ذوو القربى الأقرباء، و اليتامى جمع يتيم و هو الذي لا والد له، و المساكين جمع مسكين و هو أسوأ حالا من الفقير، و ابن السبيل المنقطع عن أهله، و الرقاب جمع رقبة و هي رقبة العبد، و البأساء مصدر كالبؤس و هو الشدة و الفقر، و الضراء مصدر كالضر و هو أن يتضرر الإنسان بمرض أو جرح أو ذهاب مال أو موت ولد، و البأس شدة الحرب.
قوله تعالى: {وَ لَكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}، عدل عن تعريف البر بالكسر إلى تعريف البر بالفتح ليكون بيانا و تعريفا للرجال مع تضمنه لشرح وصفهم و إيماء إلى أنه لا أثر للمفهوم الخالي عن المصداق و لا فضل فيه، و هذا دأب القرآن في جميع بياناته فإنه يبين المقامات و يشرح الأحوال بتعريف رجالها من غير أن يقنع ببيان المفهوم فحسب.
و بالجملة قوله: {وَ لَكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ}، تعريف للأبرار و بيان لحقيقة حالهم، و قد عرفهم أولا في جميع المراتب الثلاث من الاعتقاد و الأعمال و الأخلاق بقوله: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}و ثانيا بقوله: {أُولَئِكَ اَلَّذِينَ صَدَقُوا}، و ثالثا بقوله:}وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُتَّقُونَ}.
فأما ما عرفهم به أولا فابتدأ فيه بقوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اَلْمَلاَئِكَةِ وَ اَلْكِتَابِ وَ اَلنَّبِيِّينَ}، و هذا جامع لجميع المعارف الحقة التي يريد الله سبحانه من عباده الإيمان بها، و المراد بهذا الإيمان الإيمان التام الذي لا يتخلف عنه أثره، لا
