
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
418أو دنيوية إذا نزلت بدار قوم فإنما تتوجه أول ما تتوجه إلى أصول الطريقة القديمة و أعراقها فتقطعه فإن دامت على حياتها و قوتها - و ذلك بحسن التربية و حسن القبول - أماتت الفروع و قطعت الأذناب و إلا فاختلطت بقايا من القديمة بالحديثة و التأمت بها و صارت كالمركب النباتي، ما هو بهذا و لا ذاك.
فأمر تعالى الناس أن يأكلوا مما في الأرض، و الأكل هو البلع عن مضغ و ربما يكنى بالأكل عن مطلق التصرف في الأموال لكون الأكل هو الأصل في أفعال الإنسان و الركن في حياته كما قال تعالى: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} النساء - ٢٩، و الآية لا تأبى الحمل على هذا المعنى الوسيع لإطلاقها، و المعنى كلوا و تصرفوا و تمتعوا مما في الأرض من النعم الإلهية التي هيأته لكم طبيعة الأرض بإذن الله و تسخيره أكلا حلالا طيبا، أي لا يمنعكم عن أكله أو التصرف فيه مانع من قبل طبائعكم و طبيعة الأرض، كالذي لا يقبل بطبعه الأكل، أو الطبع لا يقبل أكله، و لا تنفر طبائعكم عن أكله مما يقبل الطبع أكله لكن ينافره و يأبى عنه السليقة كالأكل الذي توسل إليه بوسيلة غير جائزة.
فقوله تعالى: {كُلُوا مِمَّا فِي اَلْأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً}، يفيد الإباحة العامة من غير تقييد و اشتراط فيه إلا أن قوله {وَ لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ اَلشَّيْطَانِ}، إلخ يفيد: أن هاهنا أمورا تسمى خطوات الشيطان - متعلقة بهذا الأكل الحلال الطيب - إما كف عن الأكل اتباعا للشيطان، و إما إقدام عليه اتباعا للشيطان، ثم ذكر ضابط ما يتبع فيه الشيطان بأنه سوء و فحشاء، و قول ما لا يعلم على الله سبحانه و إذا كان الكف غير جائز إلا برضى من الله تعالى فالفعل أيضا كذلك فليس الأكل مما في الأرض حلالا طيبا إلا أن يأذن الله تعالى و يشرعه و قد شرعه بهذه الآية و نظائرها و لا يمنع عنه بنهي أو ردع كما سيأتي من قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَ اَلدَّمَ} (الآية) فرجع معنى الآية - و الله أعلم - إلى نحو قولنا كلوا مما في الأرض من نعم الله المخلوقة لكم فقد جعله الله لكم حلالا طيبا و لا تتركوا بعضا منها كفا و امتناعا فيكون سوء و فحشاء و قولا بغير علم أي تشريعا ليس لكم ذلك و هو اتباع خطوات الشيطان.
فالآية تدل أولا: على عموم الحلية في جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل فإن لله سبحانه المنع فيما له الإذن فيه.
