
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
410و حب النساء و حب المال و حب الجاه و حب العلم، هذه مصاديق خمسة لا نشك في وجودها فينا، و لا نشك أنا نستعمل لفظ الحب فيها بمعنى واحد على سبيل الاشتراك المعنوي دون اللفظي، و لا شك أن المصاديق مختلفة، فهل هو اختلاف نوعي أو غير ذلك.
إذا دققنا النظر في حب ما هو غذاء كالفاكهة مثلا وجدناه محبوبا عندنا لتعلقه بفعل القوة الغاذية، و لو لا فعل هذه القوة و ما يحوزه الإنسان بها من الاستكمال البدني لم يكن محبوبا و لا تحقق حب، فالحب بحسب الحقيقة بين القوة الغاذية و بين فعلها، و ما تجده عند الفعل من اللذة، و لسنا نعني باللذة لذة الذائقة فإنها من خوادم الغاذية و ليست نفسها، بل الرضى الخاص الذي تجده القوة بفعلها، ثم إذا اختبرنا حال حب النساء وجدنا الحب فيها يتعلق بالحقيقة بالوقاع، و تعلقه بهن ثانيا و بالتبع، كما كان حب الغذاء متعلقا بنفس الغذاء ثانيا و بالتبع، و الوقاع أثر القوة المودعة في الحيوان، كما كان التغذي كذلك أثرا لقوة فيه، و من هنا يعلم أن هذين الحبين يرجعان إلى مرجع واحد و هو تعلق وجودي بين هاتين القوتين و بين فعلهما أي كمالهما الفعلي.
و من المحتمل حينئذ أن يكون الحب هو التعلق الخاص بهذين الموردين و لا يوجد في غير موردهما لكن الاختبار بالآثار يدفع ذلك، فإن لهذا التعلق المسمى حبا أثرا في المتعلق (اسم فاعل) و هو حركة القوة و انجذابها نحو الفعل إذا فقدته و تحرجها عن تركه إذا وجدته، و هاتان الخاصتان أو الخاصة الواحدة نجدها موجودة في مورد جميع القوى الإدراكية التي لنا و أفعالها و إن قوتنا الباصرة و السامعة و الحافظة و المتخيلة و غيرها من القوى و الحواس الظاهرية و الباطنية جميعها - سواء كانت فاعلة أو منفعلة - على هذه الصفة فجميعها تحب فعلها و تنجذب إليها و ليس إلا لكون أفعالها كمالات لها يتم بها نقصها و حاجتها الطبيعية، و عند ذلك يتضح الأمر في حب المال و حب الجاه و حب العلم فإن الإنسان يستكمل نوع استكمال بالمال و الجاه و العلم.
و من هنا يستنتج أن الحب تعلق خاص و انجذاب مخصوص شعوري بين الإنسان و بين كماله، و قد أفاد التجارب الدقيقة بالآثار و الخواص أنه يوجد في الحيوان غير الإنسان، و قد تبين أن ذلك لكون المحب فاعلا أو منفعلا عما يحبه من الفعل و الأثر و متعلقا بتبعه بكل ما يتعلق به كما مر في حديث الأكل و الفاكهة، و غير الحيوان أيضا
