
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
407بذلك في قوله {وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}
و إذ كان هذا المدح و الذم متعلقا بالحب من جهة أثره الذي هو الاتباع فلو كان الحب للغير بتعقيب إطاعة الله تعالى في أمره و نهيه لكون الغير يدعو إلى طاعته تعالى - ليس له شأن دون ذلك - لم يتوجه إليه ذم البتة كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ}- إلى قوله: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ} التوبة - ٢٤، فقرر لرسوله حبا كما قرره لنفسه لأن حبه (علیه السلام) حب الله تعالى فإن أثره و هو الاتباع عين اتباع الله تعالى فإن الله سبحانه هو الداعي إلى إطاعة رسوله و الأمر باتباعه، قال تعالى: {وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اَللَّهِ} النساء - ٦٤، و قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ}و كذلك اتباع كل من يهتدي إلى الله باتباعه كعالم يهدي بعلمه أو آية تعين بدلالته و قرآن يقرب بقراءته و نحو ذلك فإنها كلها محبوبة بحب الله و اتباعها طاعة تعد مقربة إليه.
فقد بان بهذا البيان أن من أحب شيئا من دون الله ابتغاء قوة فيه فاتبعه في تسبيبه إلى حاجة ينالها منه أو اتبعه بإطاعته في شيء لم يأمر الله به فقد اتخذ من دون الله أندادا و سيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، و أن المؤمنين هم الذين لا يحبون إلا الله و لا يبتغون قوة إلا من عند الله و لا يتبعون غير ما هو من أمر الله و نهيه فأولئك هم المخلصون لله دينا.
و بان أيضا أن حب من حبه من حب الله و اتباعه اتباع الله كالنبي و آله و العلماء بالله، و كتاب الله و سنة نبيه و كل ما يذكر الله بوجه إخلاص لله ليس من الشرك المذموم في شيء، و التقرب بحبه و اتباعه تقرب إلى الله، و تعظيمه بما يعد تعظيما من تقوى الله، قال تعالى: {وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اَللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ} الحج - ٣٢ و الشعائر هي العلامات الدالة، و لم يقيد بشيء مثل الصفا و المروة و غير ذلك، فكل ما هو من شعائر الله و آياته و علاماته المذكرة له فتعظيمه من تقوى الله و يشمله جميع الآيات الآمرة بالتقوى.
نعم لا يخفى لذي مسكة أن إعطاء الاستقلال لهذه الشعائر و الآيات في قبال الله و اعتقاد أنها تملك لنفسها أو غيرها نفعا أو ضرا أو موتا أو حياة أو نشورا إخراج لها
