
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
405إله الإنسان و غيره واحد.
قوله تعالى: {وَ اَلسَّحَابِ اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ}، السحاب البخار المتكاثف الذي منه الأمطار و هو ضباب بالفتح ما لم ينفصل من الأرض فإذا انفصل و علا سمي سحابا و غيما و غماما و غير ذلك، و التسخير قهر الشيء و تذليله في عمله، و السحاب مسخر مقهور في سيره و إمطاره بالريح و البرودة و غيرهما المسلطة عليه بإذن الله، و الكلام في كون السحاب آية نظير الكلام في غيره مما عد معه.
و اعلم: أن اختلاف الليل و النهار و الماء النازل من السماء و الرياح المصرفة و السحاب المسخر جمل الحوادث العامة التي منها يتألف نظام التكوين في الأرضيات من المركبات النباتية و الحيوانية و غيرهما فهذه الآية كالتفصيل بوجه لإجمال قوله تعالى: {وَ بَارَكَ فِيهَا وَ قَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} فصلت - ١٠.
قوله تعالى: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، العقل - و هو مصدر عقل يعقل إدراك الشيء و فهمه التام، و منه العقل اسم لما يميز به الإنسان بين الصلاح و الفساد و بين الحق و الباطل و الصدق و الكذب و هو نفس الإنسان المدرك و ليس بقوة من قواه التي هي كالفروع للنفس كالقوة الحافظة و الباصرة و غيرهما.
قوله تعالى: {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَنْدَاداً}، الند كالمثل وزنا و معنى، و لم يقل من يتخذ لله أندادا كما عبر بذلك في سائر الموارد كقوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} البقرة - ٢٢، و قوله تعالى: {وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً} إبراهيم - ٣٠، و غير ذلك لأن المقام مسبوق بالحصر في قوله: {وَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّهُوَ} (الآية)، فكأن من اتخذ لله أندادا قد نقض الحصر من غير مجوز و اتخذ من يعلم أنه ليس بإله إلها اتباعا للهوى و تهوينا لحكم عقله و لذلك نكره تحقيرا لشأنه، فقال {وَ مِنَ اَلنَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اَللَّهِ أَنْدَاداً}
معنى الحب و تعلقه بالله تعالى
قوله تعالى: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اَللَّهِ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}، و في التعبير بلفظ يحبونهم دلالة على أن المراد بالأنداد ليس هو الأصنام فقط بل يشمل الملائكة، و أفرادا من الإنسان الذين اتخذوهم أربابا من دون الله تعالى بل يعم كل مطاع من دون الله من غير أن يأذن الله في إطاعته كما يشهد به ما في ذيل الآيات من قوله: {إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوا} البقرة - ١٦٦، و كما قال تعالى: {وَ لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً
