
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
404نفيها عنه تعالى و نسبتها إلى عمل غيره من شيطان أو إنسان، و كذا حكم غيره من حيث انتسابه إليه تعالى و إلى غيره.
فقد تبين من جميع ما مر أن الأمور الصناعية منتسبة إلى الخلقة كاستناد الأمور الطبيعية من غير فرق، نعم يدور الأمر في الانتساب إلى الخلقة مدار حظ الشيء من الوجود فافهم ذلك.
(بيان)
قوله تعالى: {وَ مَا أَنْزَلَ اَللَّهُ مِنَ اَلسَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}، فإن حقيقته عناصر مختلفة يحملها ماء البحار و غيره ثم يتكاثف بخارا متصاعدا حاملا للحرارة حتى ينتهي إلى زمهرير الهواء فيتبدل ماء متقاطرا على صورة المطر أو يجمد ثانيا فيصير ثلجا أو بردا فينزل لثقله إلى الأرض فتشربه و تحيا به أو تخزنه فيخرج على صورة ينابيع في الأرض بها حياة كل شيء فالماء النازل من السماء حادث من الحوادث الوجودية جار على نظام متقن غاية الإتقان من غير انتقاض و استثناء و يستند إليه انتشاء النبات و تكون الحيوان من كل نوع.
و هو من جهة تحدده بما يحفه من حوادث العالم طولا و عرضا تصير معها جميعا شيئا واحدا لا يستغني عن موجد يوجده و علة تظهره فله إله واحد، و من جهة أنه مما يستند إليه وجود الإنسان حدوثا و بقاء يدل على كون إلهه هو إله الإنسان.
قوله تعالى: {وَ تَصْرِيفِ اَلرِّيَاحِ}، و هو توجيهها من جانب إلى جانب بعوامل طبيعية مختلفة، و الأغلب فيها أن الأشعة النورية الواقعة على الهواء من الشمس تتبدل حرارة فيه فيعرضه اللطافة و الخفة لأن الحرارة من عواملها فلا يقدر على حمل ما يعلوه أو يجاوره من الهواء البارد الثقيل فينحدر عليه فيدفعه بشدة فيجري الهواء اللطيف إلى خلاف سمت الدفع و هو الريح، و من منافعه تلقيح النبات و دفع الكثافات البخارية، و العفونات المتصاعدة، و سوق السحب الماطرة و غيرها، ففيه حياة النبات و الحيوان و الإنسان.
و هو في وجوده يدل على الإله و في التيامه مع سائر الموجودات و اتحاده معها كما مر يدل على إله واحد للعالم، و في وقوعه طريقا إلى وجود الإنسان و بقائه يدل على أن
