
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
402يومنا هذا، و لم يرتابوا في استناد المعلولات التي معها عللها الطبيعية الممكنة إلى علة واجبة، فليس استنادهم إلى العلة الواجبة لأجل الجهل بالعلة الطبيعية، و في المعلولات المجهولة العلل كما يتوهمه هؤلاء، و هذا ثانيا.
ثم إن القرآن المثبت لتوحيد الإله إنما يثبته مع تقرير جريان قانون العلية العام بين أجزاء العالم، و تسليم استناد كل حادث إلى علة خاصة به، و تصديق ما يحكم به العقل السليم في ذلك، فإنه يسند الأفعال الطبيعية إلى موضوعاتها و فواعلها الطبيعية و ينسب إلى الإنسان أفعاله الاختيارية في آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها، ثم ينسب الجميع إلى الله سبحانه من غير استثناء، قال تعالى: {اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} الزمر - ٦٢، و قال تعالى: {ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} المؤمن - ٦٢، و قال تعالى: {أَلاَ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ} الأعراف - ٥٤، و قال تعالى: {لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ} طه - ٥، فكل ما صدق عليه اسم شيء فهو مخلوق لله منسوب إليه على ما يليق بساحة قدسه و كماله، و قد جمع في آيات أخر بين الإثباتين جميعا فنسب الفعل إلى فاعله و إلى الله سبحانه معا كقوله تعالى: {وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ} الصافات - ٩٦، فنسب أعمال الناس إليهم و نسب خلق أنفسهم و أعمالهم إليه تعالى، و قال تعالى: {وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ رَمى} الأنفال - ١٧، فنسب الرمي إلى رسول الله و نفاه عنه و نسبه إلى الله تعالى إلى غير ذلك.
و من هذا الباب آيات أخر تجمع بين الإثباتين بطريق عام كقوله تعالى: {وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} الفرقان - ٢، و قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} إلى أن قال {وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} القمر - ٥٣، و قال تعالى: {قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} الطلاق - ٣، و قال تعالى: {وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} الحجر - ٢١، فإن تقدير كل شيء هو جعله محدودا بحدود العلل المادية و الشرائط الزمانية و المكانية.
و بالجملة فكون إثبات وجود الإله الواحد في القرآن على أساس إثبات العلية و المعلولية بين جميع أجزاء العالم، ثم استناد الجميع إلى الإله الفاطر الصانع للكل مما لا يعتريه شك و لا ريب لا كما يزعمه هؤلاء من إسناد البعض إلى الله و إسناد الآخر إلى علله المادية المعلومة، و هذا ثالثا.
