
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
400(كلام في استناد مصنوعات الإنسان إلى الله سبحانه)
فما أغفل هؤلاء الذين يعدون الصناعيات من الأشياء التي يعملها الإنسان مصنوعة مخلوقة للإنسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عز اسمه مستندين إلى أنها مخلوقة لإرادة الإنسان و اختياره.
فطائفة منهم و هم أصحاب المادة من المنكرين لوجود الصانع زعموا أن حجة المليين في إثبات الصانع: أنهم وجدوا في الطبيعة حوادث و موجودات جهلوا عللها المادية و لزمهم من جهة القول بعموم قانون العلية و المعلولية في الأشياء و الحوادث أن يحكموا بوجود عللها و هي مجهولة لهم بعد - فأنتج ذلك القول بأن لهذه الحوادث المجهولة العلة علة مجهولة الكنه هي وراء عالم الطبيعة؛ و هو الله سبحانه؛ فالقول بأن الصانع موجود فرضية أوجب افتراضها ما وجده الإنسان الأولي من الحوادث المادية المجهولة العلل كالحوادث الجوية و كثير من الحوادث الأرضية المجهولة العلل، و ما وجده من الحوادث و الخواص الروحية التي لم يكشف العلوم عن عللها المادية حتى اليوم.
قالوا: و قد وفق العلوم في تقدمها الحديث لحل المشكل في الحوادث المادية و كشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضية أحد ركنيها و هو احتياج الحوادث المادية المجهولة العلل إلى علل ورائها، و بقي الركن الآخر و هو احتياج الحوادث الروحية إلى عللها، و انتهاؤها إلى علة مجردة، و تقدم البحث في الكيمياء الآلي جديدا يعدنا وعدا حسنا أن سيطلع الإنسان على علل الروح و يقدر على صنعه الجراثيم الحيوية و تركيب أي موجود روحي و إيجاد أي خاصة روحية، و عند ذلك ينهدم أساس الفرضية المذكورة و يخلق الإنسان في الطبيعة أي موجود شاء من الروحيات كما يخلق اليوم أي شيء شاء من الطبيعيات، و قد كان قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلا إلى علة مفروضة فيما وراء الطبيعة، حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث، هذا ما ذكروه.
و هؤلاء المساكين لو أفاقوا قليلا من سكرة الغفلة و الغرور لرأوا أن الإلهيين من أول ما أذعنوا بوجود إله للعالم و لن يوجد له أول أثبتوا هذه العلة الموجدة لجميع العالم، و بين أجزائه حوادث معلومة العلل و فيها حوادث مجهولة العلل
