
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
399فيختلف النهار و الليل فيها عددا و في الطول و القصر بحسب القرب من النقطة الاستوائية و من القطبين، و هذا كله مشروح مبين في العلوم المربوطة بها.
و هذا الاختلاف هو الموجب لاختلاف ورود الضوء و الحرارة، و هو الموجب لاختلاف العوامل الموجبة لاختلاف حدوث التراكيب الأرضية و التحولات في كينونتها مما ينتفع باختلافها الإنسان انتفاعات مختلفة.
قوله تعالى: {وَ اَلْفُلْكِ اَلَّتِي تَجْرِي فِي اَلْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ اَلنَّاسَ}، و الفلك هو السفينة يطلق على الواحد و الجمع، و الفلك و الفلكة كالتمر و التمرة و المراد بما ينفع الناس المتاع و الرزق تنقلها من ساحل إلى ساحل و من قطر من أقطار الأرض إلى قطر آخر.
و في عد الفلك في طي الموجودات و الحوادث الطبيعية التي لا دخل لاختيار الإنسان فيها كالسماء و الأرض و اختلاف الليل و النهار دلالة على أنها أيضا تنتهي مثلها إلى صنع الله سبحانه في الطبيعة فإن نسبة الفعل إلى الإنسان بحسب الدقة لا تزيد على نسبة الفعل إلى سبب من الأسباب الطبيعية، و الاختيار الذي يتبجح به الإنسان لا يجعله سببا تاما مستقلا غير مفتقر إلى إرادة الله سبحانه و لا يجعله أقل احتياجا إليه تعالى بالنسبة إلى سائر الأسباب الطبيعية، فلا فرق من حيث الاحتياج إلى إرادة الله سبحانه بين أن يفعل قوة طبيعية في مادة، فتوجد بالفعل و الانفعال و التحريك و التركيب و التحليل صورة من الصور كصورة الحجارة مثلا و بين أن يفعل الإنسان، بالتحريك و التقريب و التبعيد في المادة صورة من الصور كصورة السفينة مثلا في أن الجميع تنتهي إلى صنع الله و إيجاده لا يستقل شيء مستغنيا عنه تعالى في ذاته و فعله.
فالفلك أيضا مثل سائر الموجودات الطبيعية تفتقر إلى الإله في وجودها و تفتقر إلى الإله في تدبير أمرها من غير فرق، و قد أشار تعالى إلى هذه الحقيقة بقوله: {وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ} الصافات - ٩٦، حيث حكاه من إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام التي اتخذوها آلهة فإن من المعلوم أن الصنم ليس إلا موجودا صناعيا كالفلك التي تجري في البحر، و قال تعالى: {وَ لَهُ اَلْجَوَارِ اَلْمُنْشَآتُ فِي اَلْبَحْرِ كَالْأَعْلاَمِ} الرحمن - ٢٤، فعدها ملكا لنفسه، و قال تعالى: {وَ سَخَّرَ لَكُمُ اَلْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي اَلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} إبراهيم - ٣٢، فعد تدبير أمرها راجعا إليه.
