
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
398حاجته المادية و تدبير وجوده و بقائه - و الله من ورائهم محيط - فإلهها الموجد لها المدبر لأمرها هو إله الإنسان الموجد له و المدبر لأمره (و هذا هو البرهان الثالث).
ثم إن هذا الإله هو الذي يعطي كلا ما يحتاج إليه في سعادته الوجودية و ما يحتاج إليه في سعادته في غايته و آخرته لو كان له سعادة أخروية غائية فإن الآخرة عقبى هذه الدار، و كيف يمكن أن يدبر عاقبة الأمر غير الذي يدبر نفس الأمر؟ (و هذا هو البرهان على الاسمين الرحمن الرحيم).
و عند هذا تم تعليل الآية الأولى بالثانية و في تصدير الآية بلفظة، إن؛ الدالة على التعليل إشارة إلى ذلك - و الله العالم -.
فقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ}، إشارة إلى ذوات الأجرام العلوية و الأرض بما تشتمل عليه تراكيبها من بدائع الخلق و عجائب الصنع، من صور تقوم بها أسماؤها، و مواد تتألف منها ذواتها، و تحول بعضها إلى بعض، و نقص أو زيادة تطرؤها، و تركب أو تحلل يعرضها، كما قال: {أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} الرعد - ٤١، و قال: {أَ وَ لَمْ يَرَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَ جَعَلْنَا مِنَ اَلْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} الأنبياء - ٣٠.
قوله تعالى: {وَ اِخْتِلاَفِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ}، و هو النقيصة و الزيادة و الطول و القصر العارضان لهما من جهة اجتماع عاملين من العوامل الطبيعية، و هي الحركة اليومية التي للأرض على مركزها و هي ترسم الليل و النهار بمواجهة نصف الكرة و أزيد بقليل دائما مع الشمس فتكتسب النور و تمص الحرارة، و يسمى النهار، و استتار الشمس عن النصف الآخر و أنقص بقليل فيدخل تحت الظل المخروطي و تبقى مظلما و تسمى الليل، و لا يزالان يدوران حول الأرض، و العامل الآخر ميل سطح الدائرة الإستوائية أو المعدل عن سطح المدار الأرضي في الحركة الانتقالية إلى الشمال و الجنوب، و هو الذي يوجب ميل الشمس من المعدل إلى الشمال أو الجنوب الراسم للفصول، و هذا يوجب استواء الليل و النهار في منطقة خط الإستواء و في القطبين، أما القطبان فلهما في كل سنة شمسية تامة يوم و ليلة واحدة كل منهما يعدل نصف السنة، و الليل في قطب الشمال نهار في قطب الجنوب و بالعكس، و أما النقطة الاستوائية فلها في كل سنة شمسية ثلاثمائة و خمس و ستون ليلا و نهارا تقريبا و النهار و الليل فيها متساويان، و أما بقية المناطق
