
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
385(بيان)
الصفا و المروة موضعان بمكة يأتي الحجاج بينهما بعمل السعي، و هما جبلان مسافة بينهما سبعمائة و ستون ذراعا و نصف ذراع على ما قيل، و أصل الصفا في اللغة الحجر الصلب الأملس، و أصل المروة الحجر الصلب، و الشعائر جمع شعيرة، و هي العلامة، و منه المشعر، و منه قولنا: أشعر، الهدي أي أعلمه، و الحج هو القصد بعد القصد، أي القصد المكرر، و هو في اصطلاح الشرع العمل المعهود بين المسلمين، و الاعتمار الزيارة و أصله العمارة لأن الديار تعمر بالزيارة، و هو في اصطلاح الشرع زيارة البيت بالطريق المعهود، و الجناح الميل عن الحق و العدل، و يراد به الإثم، فيئول نفي الجناح إلى التجويز، و التطوف من الطواف، و هو الدوران حول الشيء، و هو السير الذي ينتهي آخره إلى أوله، و منه يعلم أن ليس من اللازم كونه حول شيء، و إنما ذلك من مصاديقه الظاهرة و على هذا المعنى أطلق التطوف في الآية، فإن المراد به السعي و هو قطع ما بين الصفا و المروة من المسافة سبع مرات متوالية، و التطوع من الطوع بمعنى الطاعة، و قيل: إن التطوع يفارق الإطاعة في أنه يستعمل في المندوب خاصة، بخلاف الإطاعة و لعل ذلك - لو صح هذا القول - بعناية أن العمل الواجب لكونه إلزاميا كأنه ليس بمأتي به طوعا، بخلاف المأتي من المندوب فإنه على الطوع من غير شائبة، و هذا تلطف عنائي و إلا فأصل الطوع يقابل الكره و لا ينافي الأمر الإلزامي.قال تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَ لِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} فصلت - ١١، و أصل باب التفعل الأخذ لنفسه، كقولنا: تميز أي أخذ يميز، و تعلم الشيء أي أخذ يعلمه، و تطوع خيرا أي أخذ يأتي بالخير بطوعه، فلا دليل من جهة اللغة على اختصاص التطوع بالامتثال الندبي إلا أن توجبه العناية العرفية المذكورة.
فقوله تعالى: {إِنَّ اَلصَّفَا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اَللَّهِ} إلى قوله: {يَطَّوَّفَ بِهِمَا} يشير إلى كون المكانين معلمين بعلامة الله سبحانه، يدلان بذلك عليه، و يذكرانه تعالى و اختصاصهما بكونهما من الشعائر دون بقية الأشياء جميعا يدل على أن المراد بالشعائر ليست الشعائر التكوينية بل هما شعيرتان بجعله تعالى إياهما معبدين يعبد فيهما، فهما يذكران الله سبحانه، فكونهما شعيرتين يدل على أنه تعالى قد شرع فيهما عبادة
