
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
377فيتعين بكل نسبة قطعة تغاير القطعة الأخرى، و أما نفس الحركة فسيلان و جريان واحد شخصي، و نحن ربما سمينا هذا الوصف في الحركة إطلاقا في مقابل النسب التي لها إلى كل حد حد، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها إلى الحدود.و من هنا يظهر أن المطلق بالمعنى الثاني أمر واقعي موجود في الخارج، بخلاف المطلق بالمعنى الأول فإن الإطلاق بهذا المعنى وصف ذهني لموجود ذهني، هذا.
ثم إنا لا نشك أن الإنسان موجود طبيعي ذو أفراد و أحكام و خواص و أن الذي توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الإنسان دون مجموع الأفراد أعني الاجتماع الإنساني إلا أن الخلقة لما أحست بنقص وجوده، و احتياجه إلى استكمالات لا تتم له وحدة، جهزه بأدوات و قوى تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع و ضمن الأفراد المجتمعين، فطبيعة الإنسان الفرد مقصود للخلقة أولا و بالذات و الاجتماع مقصود لها ثانيا و بالتبع.
و أما حقيقة أمر الإنساني مع هذا الاجتماع الذي تقتضيه و تتحرك إليه الطبيعة الإنسانية (إن صح إطلاق الاقتضاء و العلية و التحرك في مورد الاجتماع حقيقة) فإن الفرد من الإنسان موجود شخصي واحد بالمعنى الذي تقدم من شخصيته و وحدته، و هو مع ذلك واقع في الحركة، متبدل متحول إلى الكمال، و من هنا كان كل قطعة من قطعات وجوده المتبدل مغايرة لغيرها من القطعات، و هو مع ذلك ذو طبيعة سيالة مطلقة محفوظة في مراحل التغيرات واحدة شخصية، و هذه الطبيعة الموجودة في الفرد محفوظة بالتوالد و التناسل و اشتقاق الفرد من الفرد - و هي التي نعبر عنها بالطبيعة النوعية - فإنها محفوظة بالأفراد و إن تبدلت و عرض لها الفساد و الكون، بمثل البيان الذي مر في خصوص الطبيعة الفردية، فالطبيعة الشخصية موجودة متوجهة إلى الكمال الفردي، و الطبيعة النوعية موجودة مطلقة متوجهة إلى الكمال.
و هذا الاستكمال النوعي لا شك في وجوده و تحققه في نظام الطبيعة، و هو الذي نعتمد عليه في قولنا: إن النوع الإنساني مثلا متوجه إلى الكمال، و إن الإنسان اليوم أكمل وجودا من الإنسان الأولى، و كذا ما تحكم به فرضية تحول الأنواع، فلو لا أن هناك طبيعة نوعية خارجية محفوظة في الأفراد أو الأنواع مثلا لم يكن هذا الكلام إلا كلاما شعريا.
