
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
375عن الدمع عن عيني القريح عن الجوى *** عن الحزن عن قلبي الجريح عن الوجد بأن غرامي و الهوى قد تحالفا *** على تلفي حتى أوسد في لحدي و هذا البيان الذي أوردناه و إن آثرنا فيه الإجمال و الاختصار لكنك إن أجدت فيه التأمل وجدته كافيا في المطلوب و تبين أن هذا المسلك الثالث يرتفع فيه موضوع الفضيلة و الرذيلة، و يتبدل فيه الغاية و الغرض أعني الفضيلة الإنسانية إلى غرض واحد، و هو وجه الله، و ربما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما هو معدود في غيره فضيلة رذيلة فيه و بالعكس.
بقي هنا شيء و هو أن هاهنا نظرية أخرى في الأخلاق تغاير ما تقدم، و ربما عد مسلكا آخر، و هي أن الأخلاق تختلف أصولا و فروعا باختلاف الاجتماعات المدنية لاختلاف الحسن و القبح من غير أن يرجع إلى أصل ثابت قائم على ساق، و قد ادعي أنها نتيجة النظرية المعروفة بنظرية التحول و التكامل في المادة.
قالوا: إن الاجتماع الإنساني مولود جميع الاحتياجات الوجودية التي يريد الإنسان أن يرفعها بالاجتماع، و يتوسل بذلك، إلى بقاء وجود الاجتماع الذي يراه بقاء وجود شخصه، و حيث إن الطبيعة محكومة لقانون التحول و التكامل كان الاجتماع أيضا متغيرا في نفسه، و متوجها في كل حين إلى ما هو أكمل و أرقى، و الحسن و القبح و هما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال و عدم موافقته له - لا معنى لبقائهما على حال واحد، و جمودهما على نهج فارد، فلا حسن مطلقا، و لا قبح مطلقا، بل هما دائما نسبيان مختلفان باختلاف الاجتماعات بحسب الأمكنة و الأزمنة، و إذا كان الحسن و القبح نسبيين متحولين وجب التغير في الأخلاق، و التبدل في الفضائل و الرذائل و من هنا يستنتج أن الأخلاق تابعة للمرام القومي الذي هو وسيلة إلى نيل الكمال المدني و الغاية الاجتماعية، لتبعية الحسن و القبح لذلك فما كان به التقدم و الوصول إلى الغاية و الغرض كان هو الفضيلة و فيه الحسن، و ما كان يدعو إلى الوقوف و الارتجاع كان هو الرذيلة، و على هذا فربما كان الكذب و الافتراء و الفحشاء و الشقاوة و القساوة و السرقة و الوقاحة حسنة و فضيلة إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعي، و الصدق و العفة و الرحمة رذيلة قبيحة إذا أوجب الحرمان عن المطلوب، هذه خلاصة هذه النظرية العجيبة التي ذهبت إليها الاشتراكيون من الماديين، و النظرية غير حديثة، على ما زعموا،
