
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
371و الاتصاف بها سعادته العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العام و الثناء الجميل من المجتمع الإنساني) يظفر ببحثه أن الأخلاق الإنسانية تنتهي إلى قوى عامة ثلاثة فيه هي الباعثة للنفس على اتخاذ العلوم العملية التي تستند و تنتهي إليها أفعال النوع و تهيئتها و تعبيتها عنده، و هي القوى الثلاث: الشهوية و الغضبية و النطقية الفكرية، فإن جميع الأعمال و الأفعال الصادرة عن الإنسان إما من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالأكل و الشرب و اللبس و غيرها، و إما من الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرة كدفاع الإنسان عن نفسه و عرضه و ماله و نحو ذلك، و هذه الأفعال هي الصادرة عن المبدأ الغضبي كما أن القسم السابق عليها صادر عن المبدأ الشهوي، و إما من الأعمال المنسوبة إلى التصور و التصديق الفكري، كتأليف القياس و إقامة الحجة و غير ذلك، و هذه الأفعال صادرة عن القوة النطقية الفكرية، و لما كانت ذات الإنسان كالمؤلفة المركبة من هذه القوى الثلاث التي باتحادها و حصول الوحدة التركيبية منها يصدر أفعال خاصة نوعية، و يبلغ الإنسان سعادته التي من أجلها جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع أن لا يدع قوة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، و تميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة و النقيصة، فإن في ذلك خروج جزء المركب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب و في ذلك خروج المركب عن كونه ذاك المركب و لازمه بطلان غاية التركيب التي هي سعادة النوع.
و حد الاعتدال في القوة الشهوية - و هي استعمالها على ما ينبغي كما و كيفا - يسمى عفة، و الجانبان في الإفراط و التفريط الشره و الخمود، و حد الاعتدال في القوة الغضبية هي الشجاعة، و الجانبان التهور و الجبن، و حد الاعتدال في القوة الفكرية تسمى حكمة، و الجانبان الجربزة و البلادة، و تحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج، و هي التي تسمى عدالة، و هي إعطاء كل ذي حق من القوى حقه، و وضعه في موضعه الذي ينبغي له، و الجانبان فيها الظلم و الانظلام.
فهذه أصول الأخلاق الفاضلة أعني: العفة و الشجاعة و الحكمة و العدالة، و لكل منها فروع ناشئة منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الأصول المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود و السخاء، و القناعة و الشكر، و الصبر و الشهامة
