
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
365إنا لا نشك في أنا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: بأنا، و لا نشك أن كل إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة التي لا نغفل عنه حينا من أحيان حياتنا و شعورنا، و ليس هو شيئا من أعضائنا، و أجزاء بدننا التي نشعر بها بالحس أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر و اللمس و نحو ذلك، و أعضائنا الباطنة التي عرفناها بالحس و التجربة. فإنا ربما نغفل عن كل واحد منها و عن كل مجموع منها حتى عن مجموعها التام الذي نسميه بالبدن، و لا نغفل قط عن المشهود الذي نعبر عنه: بأنا، فهو غير البدن و غير أجزائه.
و أيضا لو كان هو البدن أو شيئا من أعضائه أو أجزائه: أو خاصة من الخواص الموجود فيها و هي جميعا مادية، و من حكم المادة التغير التدريجي و قبول الانقسام و التجزي لكان ماديا متغيرا و قابلا للانقسام و ليس كذلك فإن كل أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانية اللازمة لنفسه، و ذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أول شعوره بنفسه وجده معنى مشهودا واحدا باقيا على حاله من غير أدنى تعدد و تغير، كما يجد بدنه، و أجزاء بدنه و الخواص الموجودة معها متغيرة متبدلة من كل جهة، في مادتها و شكلها، و سائر أحوالها و صورها، و كذا وجده معنى بسيطا غير قابل للانقسام و التجزي، كما يجد البدن و أجزاءه و خواصه و كل مادة و أمر مادي كذلك فليست النفس هي البدن، و لا جزءا من أجزائه، و لا خاصة من خواصه، سواء أدركناه بشيء من الحواس أو بنحو من الاستدلال، أو لم ندرك، فإنها جميعا مادية كيفما فرضت، و من حكم المادة التغير، و قبول الانقسام، و المفروض أن ليس في مشهودنا المسمى بالنفس شيء من هذه الأحكام فليست النفس بمادية بوجه.
و أيضا هذا الذي نشاهده نشاهده أمرا واحدا بسيطا ليس فيه كثرة من الأجزاء و لا خليط من خارج بل هو واحد صرف فكل إنسان يشاهد ذلك من نفسه و يرى أنه هو و ليس بغيره فهذا المشهود أمر مستقل في نفسه، لا ينطبق عليه حد المادة و لا يوجد فيه شيء من أحكامها اللازمة، فهو جوهر مجرد عن المادة، متعلق بالبدن نحو تعلق يوجب اتحادا ما له بالبدن و هو التعلق التدبيري و هو المطلوب.
و قد أنكر تجرد النفس جميع الماديين، و جمع من الإلهيين من المتكلمين، و الظاهريين
