
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
361الأخلاق الاجتماعية، أو الفهم العام العادي الذي هو أساس التكاليف العامة الدينية، فللعقل أحكام، و للحب أحكام، و سيجيء توضيح هذا المعنى في بعض الأبحاث الآتية إن شاء الله تعالى.
(بيان)
قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ} (الآية) التدبر في الآية يعطي أن الصلاة غير الرحمة بوجه، و يشهد به جمع الصلاة و إفراد الرحمة، و قد قال تعالى: {هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} الأحزاب - ٤٣، و الآية تفيد كون قوله: {وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}، في موقع العلة لقوله: {هُوَ اَلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ}، و المعنى أنه إنما يصلي عليكم، و كان من اللازم المترقب ذلك، لأن عادته جرت على الرحمة بالمؤمنين، و أنتم مؤمنون فكان من شأنكم أن يصلي عليكم حتى يرحمكم، فنسبة الصلاة إلى الرحمة نسبة المقدمة إلى ذيها و كالنسبة التي بين الالتفات و النظر، و التي بين الإلقاء في النار و الإحراق مثلا، و هذا يناسب ما قيل في معنى الصلاة: إنها الانعطاف و الميل، فالصلاة من الله سبحانه انعطاف إلى العبد بالرحمة و من الملائكة انعطاف إلى الإنسان بالتوسط في إيصال الرحمة، و من المؤمنين رجوع و دعاء بالعبودية و هذا لا ينافي كون الصلاة بنفسها رحمة و من مصاديقها، فإن الرحمة في القرآن على ما يعطيه التدبر في مواردها هي العطية المطلقة الإلهية، و الموهبة العامة الربانية، كما قال تعالى: {وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} الأعراف - ١٥٦، و قال تعالى: {وَ رَبُّكَ اَلْغَنِيُّ ذُو اَلرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} الأنعام - ١٣٣، فالإذهاب لغناه و الاستخلاف و الإنشاء لرحمته، و هما جميعا يستندان إلى رحمته كما يستندان إلى غناه فكل خلق و أمر رحمة، كما أن كل خلق و أمر عطية تحتاج إلى غنى، قال تعالى: {وَ مَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} الإسراء - ٢٠، و من عطيته الصلاة فهي أيضا من الرحمة غير أنها رحمة خاصة، و من هنا يمكن أن يوجه جمع الصلاة و إفراد الرحمة في الآية.
قوله تعالى: {وَ أُولَئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ}، كأنه بمنزلة النتيجة لقوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ}، و لذلك جدد اهتداءهم جملة ثانية مفصولة عن الأولى، و لم يقل: صلوات من ربهم و رحمة و هداية، و لم يقل: و أولئك هم المهديون بل ذكر قبولهم للهداية بالتعبير بلفظ الاهتداء الذي هو فرع مترتب على الهداية، فقد تبين
