
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
339[سورة البقرة (٢): آیة ١٥٢]
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِي وَ لاَ تَكْفُرُونِ ١٥٢}
(بيان) معنى الذكر
لما امتن الله تعالى على النبي و المسلمين، بإرسال النبي الكريم منهم إليهم نعمة لا تقدر بقدر و منحة على منحة - و هو ذكر منه لهم - إذ لم ينسهم في هدايتهم إلى مستقيم الصراط، و سوقهم إلى أقصى الكمال، و زيادة على ذلك، و هو جعل القبلة، الذي فيه كمال دينهم، و توحيد عبادتهم، و تقويم فضيلتهم الدينية و الاجتماعية فرع على ذلك دعوتهم إلى ذكره و شكره، ليذكرهم بنعمته على ذكرهم إياه بعبوديته و طاعته، و يزيدهم على شكرهم لنعمته و عدم كفرانهم، و قد قال تعالى: {وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذَا رَشَداً} الكهف - ٢٤. و قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم - ٧، و الآيتان جميعا نازلتان قبل آيات القبلة من سورة البقرة.
ثم إن الذكر ربما قابل الغفلة كقوله تعالى: {وَ لاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} الكهف - ٢٨. و هي انتفاء العلم بالعلم، مع وجود أصل العلم، فالذكر خلافه، و هو العلم بالعلم، و ربما قابل النسيان و هو زوال صورة العلم عن خزانة الذهن، فالذكر خلافه، و منه قوله تعالى: {وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} (الآية). و هو حينئذ كالنسيان معنى ذو آثار و خواص تتفرع عليه، و لذلك ربما أطلق الذكر كالنسيان في موارد تتحقق فيها آثارهما و إن لم تتحقق أنفسهما، فإنك إذا لم تنصر صديقك - و أنت تعلم حاجته إلى نصرك فقد نسيته، و الحال أنك تذكره، و كذلك الذكر.
و الظاهر أن إطلاق الذكر على الذكر اللفظي من هذا القبيل، فإن التكلم عن الشيء من آثار ذكره قلبا، قال تعالى: {قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً} الكهف - ٨٣. و نظائره كثيرة، و لو كان الذكر اللفظي أيضا ذكرا حقيقة فهو من مراتب الذكر، لأنه مقصور عليه و منحصر فيه، و بالجملة: الذكر له مراتب كما قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اَللَّهِ تَطْمَئِنُّ اَلْقُلُوبُ} الرعد - ٢٨، و قال: {وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ اَلْجَهْرِ مِنَ اَلْقَوْلِ} الأعراف - ٢٠٥، و قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اَللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ
