
تفسير الميزان ج1
الجزء الأول من تفسير الميزان، وهو يحتوي على مقدمة الكتاب التي أوضح فيها المؤلف منهجه في التفسير، و تفسير سورة الفاتحة، و سورة البقرة إلى الآية 182 منها
تفسير الميزان ج۱
111إليه ثانيا و أوضحه بنحو البسط و التفصيل بقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} إلى اثنتي عشرة آية، ببيان حقيقة الإنسان و ما أودعه الله تعالى فيه من ذخائر الكمال و ما تسعه دائرة وجوده و ما يقطعه هذا الموجود في مسير وجوده من منازل موت و حياة ثم موت ثم حياة ثم رجوع إلى الله سبحانه و إن إلى ربك المنتهى و فيه ذكر جمل ما خص الله تعالى به الإنسان من مواهب التكوين و التشريع، أنه كان ميتا فأحياه، ثم لا يزال يميته و يحييه حتى يرجعه إليه، و قد خلق له ما في الأرض و سخر له السماوات و جعله خليفته في الأرض و أسجد له ملائكته و أسكن أباه الجنة و فتح له باب التوبة و أكرمه بعبادته و هدايته، و هذا هو المناسب لسياق قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} إلخ، فإن السياق سياق العتبى و الامتنان.
قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً}. (الآية) قريبة السياق من قوله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} المؤمن - ١١، و هذه من الآيات التي يستدل بها على وجود البرزخ بين الدنيا و الآخرة، فإنها تشتمل على إماتتين، فلو كان إحداهما الموت الناقل من الدنيا لم يكن بد في تصوير الإماتة الثانية من فرض حياة بين الموتين و هو البرزخ، و هو استدلال تام اعتنى به في بعض الروايات أيضا، و ربما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أن الآيتين أعني قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} (الآية)، و قوله: {قَالُوا رَبَّنَا} (الآية)، متحدتا السياق، و قد اشتملتا على موتين و حياتين، فمدلولهما واحد، و الآية الأولى ظاهرة في أن الموت الأول هو حال الإنسان قبل ولوج الروح في الحياة الدنيا، فالموت و الحياة الأوليان هما الموت قبل الحياة الدنيا و الحياة الدنيا، و الموت و الحياة الثانيتان هما الموت عن الدنيا و الحياة يوم البعث، و المراد بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الأولى، فلا معنى لدلالتها على البرزخ، و هو خطأ فإن الآيتين مختلفتان سياقا إذ المأخوذ في الآية الأولى موت واحد و إماتة واحدة و إحيائان، و في الآية الثانية إماتتان و إحيائان، و من المعلوم أن الإماتة لا يتحقق لها مصداق من دون سابقة حياة بخلاف الموت، فالموت الأول في الآية الأولى غير الإماتة الأولى في الآية الثانية، فلا محالة في قوله تعالى {أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ}، الإماتة الأولى هي التي بعد الدنيا و الإحياء الأول بعدها للبرزخ و الإماتة و الإحياء الثانيتان للآخرة يوم البعث، و في قوله تعالى. {وَ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}
